الجار ، "بورقعة " ! - بريس تطوان - أخبار تطوان

الجار ، “بورقعة ” !

   الجار ، “بورقعة ” !

بعض الذين عاصروا العقود الأولى من الحماية الاسبانية على شمال المغرب، (والتي مر قرن من الزمان على توقيعها )، كانوا يلقبون الجار الاسباني اللذوذ ، ببورقعة ، ومعنى هذا اللقب ومغزاه، حسب ما أخبرنا به بعض من تبقى من معاصري ومجايلي هذه  الفترة، يكمن في الحالة المزرية التي كان يوجد عليها عدد غير قليل من الاسبان ساعتئذ ، والذين استغلوا فرصة فرض الحماية الاسبانية على شمال المغرب ،للهجرة الى مدنه وبواديه بحثا عن فرص للعمل والاسترزاق، من أجل لقمة عيش ،والذين كان جانب كبير منهم يلبس أسمالا بالية مرقعة في الغالب ، ، ومن هنا جاءت التسمية ,,

 ومما يؤكد هذا القول، بعض مراسلات أب الحركة الوطنية المغربية الحاج عبد السلام بنونة ، وبعض وثائق الحكومة الخليفية، والتي تتحدث عن مراسلات رسمية وجهت الى حكومة مدريد تثير انتباهها الى ظاهرة هجرة فقراء اسبانيا الى شمال المغرب بحثا عن لقمة عيش، والتي أصبحت تثير مشاكل كثيرة ، وتطلب منها ضبط الظاهرة ووضع حد لها ..

 مناسبة هذا الكلام ، الذي لا يقصد منه التشفي بتاتا ، فذلك ليس من شيم المغاربة ولا من أخلاقهم وقيمهم الدينية ،، هو الوقوف على حالة من الحالات التي يعيد فيها التاريخ نفسه – كما يقال – وذلك للعبرة والاعتبار ليس الا ،،

 ويتعلق الأمر هنا بموضوع الهجرة أساسا،، ففي الوقت الذي لا يزال المهاجرون السريون الافارقة، البيض منهم والسود، يقذفون بأنفسهم في غياهب المضيق ، من أجل حلم مثل السراب ، فان الاسبان أضحوا يهاجرون هم أيضا من بلادهم ، تماما كما كان يحدث في العقود الأولى من القرن العشرين ،بحثا عن العمل وفرص الكسب ، وذلك بسبب ضيق العيش بدون فسحة الأمل، الذي أصبحت تعاني منه اسبانيا ،كما في الماضي، بسبب انعكاسات الازمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها كما تعاني دول الجوار ،، المحيطة بها ,,

فقد نشرت مديرية مكتب الاحصاء الرسمي باسبانيا مؤخرا أرقاما تتحدث عن تناقص عدد سكان البلد بشكل لم يسبق له مثيل ، فقد ذكر التقرير ، أن عدد السكان ،نقص سنة 2012 بما قدره 205 آلاف 788 نسمة مقارنة بالسنة التي قبلها.

  يوجد باسبانيا اليوم – بحسب التقرير المشار اليه-  47 مليون و100 ألف نسمة ، 41 مليون ونيف، يحملون الجنسية الاسبانية، و 5 ملايين ونصف من الاجانب المقيمين والذين يوجدون في وضع قانوني، ويشكلون 12 % ، من ساكنة البلد ، وفي صفوفهم تم تسجيل غالبية العدد المتناقص من ساكنة البلد ، والسبب في ذلك معروف، يتمثل في ما أفرزته الأزمة الاقتصادية من تقليص لفرص الشغل، سواء من حيث احداثها أو المحافظة على ما هو موجود منها،  وبذلك انتفت شروط الاستقرار، وأصبح جانب من المهاجرين وحتى من المواطنين يغادر البلد في اتجاهات مختلفة، أو على الأقل يفكر أو يخطط لذلك ، بحيث غادر الآلاف هذا البلد الذي كان يشكل حلما بالنسبة لهم، وعادوا من حيث أتوا ، أو بحثوا عن وجهات أخرى لازالت تغري الباحثين عن العمل أو تحسين الوضعية ،، ولعل الكثير من الأسر المغربية المعنية بهذا الموضوع، تعيش بكثير من المعاناة، تداعيات هذا المشكل، حيث أن أبناءها المهاجرين الذين كانوا يشكلون دعما لها في السابق ، اما عادوا بشكل نهائي للاستقرار في وطنهم أو لا زالوا صامدين ، بفضل ما يتوصلون به من دعم من أسرهم بالمغرب ،سواء للسفر أو الاقامة ، بحيث أن      الآية انقلبت ، فجفت صنابير الأورو ، وفتحت مضخات الدرهم في اتجاه الجزيرة الايبيرية ، للعيش، ولتموين صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي الاسباني،وانعاش الاقتصاد المحلي بثروات المغاربة، كما يحدث في سبتة ومليلية وجزر الكناري ،، أملا في تقاعد مريح، أو تغطية صحية افتقدوها في بلدانهم ،، لعلها تقيهم أو تخفف عنهم ويلات المرض ومضاعفاته ، لكنهم في الحقيقة انما يمولون رواتب جانب مهم من المتقاعدين الاسبان في انتظار نفع غير مؤكد وغير مضمون الوقوع.

  لقد شرعت الأزمة الاقتصادية الخانقة باسبانيا، في التأثير على التركيبة الديمغرافية للبلد ، فمن أبرز نتائجها ضياع الكثير من فرص الشغل والاستقرار بها، وجعلت الكثير من العاطلين، مواطنين كانوا أو مهاجرين، يغادرون البلد بالآلاف، ليعودوا من حيث أتوا أو للبحث عن فرص جديدة في بلدان أخرى قد تكون الأزمة فيها أقل وقعا..

 وقد مست هذه الظاهرة بالخصوص قطاع البناء والتعمير، وما يرتبط به،فتوقفت نتيجة ذلك جل معامل الآجور، وأصبحت مدينة مثل “بايلين”، عاصمة صناعة الآجور باسبانيا، مدينة أشباح ، بعد أن توقف كل شئ بها، كما انخفضت أرقام معاملات صناعة الاسمنت، وتهاوت أسهمها في بورصة القيم، ونفس الشئ يقال عن باقي القطاعات الأخرى المرتبطة بهذا الميدان، ان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة,,

وبذلك وصلت نسبة العطالة باسبانيا نسبا غير مسبوقة، وتجاوزت (بحسب أرقام شهر مارس الأخير/ الفصل الأول من السنة الحالية) ، 27 % من السكان النشطين ( ما يزيد على 5 ملايين نسمة). وهو ما دفع 50 % من الشباب النشطين ( في سن العمل ممن يعادل عمرهم أو يزيد على35 سنة) ، الى الهجرة الى دول أوروبا الشمالية الغنية ، والتي لا زالت تنظر الى المواطن الايبيــري نظــرتها الــى                 ” العالمثالثيين” ، وأصبح بذلك شبابهم يهاجر مثل شبابنا طلبا للرزق، وتحسين ظروف العيش ،

 الطريف في الأمر أن هذا الواقع يمس كل مناطق الحكم الذاتي باسبانيا التي تفقد نسبا متفاوتة من ساكنتها التي تقفز تباعا من المركب المهدد بالغرق ،، باستناء منطقة الحكم الذاتي المستعمرة : مليلية ، التي زاد سكانها سنة 2012 .

 كما أن المغادرة شملت كل المهاجرين القادمين من الوجهات المعتادة في شمال افريقيا وأمريكا اللاتينية ،، وحدهم المهاجرين القادمين من الصين و الباكستان لا زالوا يأتون بأعداد متزايدة ،، ويبدو أن الأخبار لم تصلهم بعد أو أنهم يعتمدون سياسة النعامة كما هو شأن بعض الناس عندنا ..

مهما يكن من أمر يبقى الرومانيون ب868 ألف مهاجر ، والمغاربة ب 787 ألف ، على رأس المهاجرين الى اسبانيا متبوعين بمواطني دول أمريكا اللاتينية بما يناهز نصف مليون مهاجر، في المركز الثالث .

 لعل الذين لم يستفيقوا بعد ، ينتبهون الى أن المغرب أصبح وجهة للاسبان وغيرهم للبحث عن عمل ، وأصبح العاملون الأجانب بأوراشنا يعدون بالمآت وقريبا سيصبحون بالآلاف ،، فالاوضاع تبدلت والأمور تغيرت ..
 
 
ذ. زين العابدين الحسيني
 
 


شاهد أيضا