رمضان بريئ من "الترمضينة" والمشكل فينا - بريس تطوان

رمضان بريئ من “الترمضينة” والمشكل فينا

رمضان بريئ من “الترمضينة” والمشكل فينا

 
شهر رمضان يشكل تحولا مهما في المرجعية الزمانية و المكانية للفرد و المجموعات. و معلوم أنه كل تحول يفترض مجهودا معينا للتأقلم. و لهدا نلاحظ ورود سلوكات جديدة بالنسبة للعديد من الناس كالإقبال على الرياضة خلال شهر رمضان و هدا راجع للتوفر على ساعات زائدة وجب تدبيرها بطريقة معينة، شهر رمظان يكتسي أهمية قصوى في البلدان الإسلامية، و خاصة في المغرب أكثر من ما هو واجب ديني فهو موعد عائلي إجتماعي يسمح بتوطيد علاقة الفرد بمحيطه، العائلة أساسا، وهاد البعد الإجتماعي نجده فالثقافة الغربية خلال أعياد المسيح عند النصارا مثلا و أهمية حظور جميع أفراد العائلة خلال أيام الإحتفالات،غير أنه يطول في ثقافتنا شهرا كاملا. البعد اللإجتماعي و الأنتروپولوجي لشهر رمضان يكمن في العلاقة بالآخر، بتوطيد العلاقات الإجتماعية العائلية أساسا، هاد العلاقة التي يمكن أن تعطي للفرد نوعا من التوازن النفسي و الإستقرار الإجتماعي، لكن الإجتماعات العائلية المكثفة يمكن أن تكون أيض سببا للتوتر و الصراعات. فهناك صراعات غير معلنة في أغلب العائلات طوال السنة، لكنها تتفجر بسبب كثافة اللقائات في زمن و مكان محصورين.

قبل الخوض في موضوع الترمضينة و تجلياتها كالتهيج الموضوعي و الذاتي و حالات الغضب الشديد الدي نلاحظ هنا و هناك، مجموعة من التساؤلات لها علاقة بتأثير العياء خلال الصيام و علاقته بحوادث السير؟ علاقته بحوادث الشغل؟ بإرتفاع عدد الوافدين على المستعجلات؟ بالتراجع المهم للإنتاجية؟ بالسلوكات العصبية و العنف و أحيانا الجريمة؟ الصيام كممارسة عندها تأثير على الصحة البدنية والعقلية للفرد. فالصيام هو فرض واجب على جميع المسلمين، لكن ليس كل الناس من حقهم أن يصوموا، و نلاحظ أنه مع أن النص القرآني(1) و الأحاديث الصحيحة(2) و فتاوي المجالس العلمية و الأطباء ينهون الناس المرضى عن الصيام و أمرهم بالإفطار و إجتناب الصيام في العديد من حالات المصابون بالسكري أو الأمراض الملزمة بتناول الأدوية يرفضون العلاج و التداوي خلال نهار رمضان مما يقلل من نجاح التداوي ويعجل بتدهور الصحة البدنية و النفسية للمرضى.

“إلى جات الموت مرحبا بيها غير نمشي صائمة” هكذا تقول أمينة مريضة بالسكري في الستينيات من عمرها و ترفض أخد حقنات الآنسولين (الأساسية لضبط كميات الكليكوز في الدم) التي تلزمها بالأكل بعد الحقنة، مما يعرضها لخطر حقيقي، ومع دلك فالعديد من الناس يتجاهلون الرخص الدينية و الطبية و القانونية. هدا التهور أو المغامرة الخطيرة التي يقودها مرضانا و تشجعها عائلاتهم أو تتساهل معهم لنبل هدفها، راجع للعديد من الأسباب أولها الفهم المغلوط للدين؛ و ردة الفعل العنيفة (من التوبيخ و النظرة الإحتقارية إلى التعنيف و التنكيل بالمفطر) لأغلب الناس عند رؤية قريب أو بعيد يشرب ماءا ولو أنه فقط لإبتلاع دواء معين، أو عند رؤية أحدهم يأكل لتثمين مفعول الآنسولين. الفهم المغلوط للدين الدي يبدأ بتعنيف الدات و الجسد عبر حرمانها من التداوي مثلا، و يتمادى إلى تعنيف الآخر في محاولة لبسط مفهومه المغلوط على الأخر، للإشارة فهاته السلوكات نجدها أيضا في باقي شهور السنة إلا أنها تحضر بحدة خلال هدا الشهر الكريم. من المهم أن نشير إلى أن الإمساك عن شهوات البطن و الجنس أثناء الصيام، وعلاقته مع عتبة التسامح seuil de tolérance التي تختلف من شخص لآخر، تحدد سلوك الصائم. الأفراد الذين لديهم صعوبة في التقيد بالضوابط السلوكية، صعوبات في إحترام القانون و في الإمتثال للسلطة، كما هو حال الشخصية المرضية و البنية النفسية السيكوپاتية.

هؤلاء هم الأقرب للإنفجار العصبي و العنف عند بلوغهم عتبة التسامح،مثال: حركة المرور في الدار البيضاء ، الناس الذين لا يميلون إلى احترام قانون السير طوال السنة هم مرشحون للنوبات العصبية خلال إمساكهم عن الغريزة الفمية و الجنسية و يكونون أقل قدرة على تحمل الإحباطات الناجمة عن حركة السير الكثيفة بشكل خاص في الدار البيضاء و يتصرفون بحمق في أول خلاف مع الآخر لأسباب تافهة عموما. فمثلا المدمن على المخدرات يقبل على نوباته في باقي أيام السنة ويمكن أن يقبل على أفعال إجرامية، لكن حينما يقبل على هاته الأفعال في شهر رمضان فإنه يجد أحظان نظرية “الترمضينة” تستقبله لتبرر مصابه و تكون له دريعة و شريعة. الترمضينة التي هي نظرية معينة لسلوك الصائم، يلجأ لها هدا الأخير ليفسر دوافع نوبته العصبية، تعنيفه اللفظي أو الجسدي للآخر و التي من شأنها أن تدفع المسؤولية عن مرتكبها، أو على الأقل تبحث عن ظروف التخفيف للمسؤول عن الفعل العنيف.

هاده النظرية “الترمضينية” تلقى شيوعا كبيرا في المغرب و تنتظرها انتصارات كاسحة على السلوكات الإيجابية و المتحظرة خلال شهر رمضان، التي لا تختزل في شهر رمضان سلوك الإمتناع بل بالأخص مناسبة لتحرير الفكر و الروح. ثانيا، غياب أو انعدام حملات التوعية في ما يخص المرضى بالأمراض الملزمة للتداوي، و حث الناس على تشجيع أقربائهم على التداوي و كدلك الحال في ما يخص السلوكات التعنيفية عامة و المرتبطة بنظرية الترمضينة خاصة، و هدا يتطلب ليس فقط تدخلات الشرطة لاستتباب الأمن و إعتقال المسؤولين عن الفوضى ولكن أيضا تدخل اللأطباء و مسؤوليتهم في تداوي المرضى و الحوادث التي يتعرضون لها و قدرتهم على إقناع مرضاهم و عائلاتهم. هي أيظا مسؤولية مجالس علماء الدين في إدانة السلوكات الفوظوية و التعسفية المتحججة بالصيام و الدين، و مسؤولية الإعلام أيضا في التوعية و فضح الممارسات الخاطئة خلال هدا الشهر و اقتراح النمادج السلوكية الإيجابية و الروحية أكثر مما تبدله من جهد فالتركيز على السلوكات الإمساكية البطنية و الإستهلاكية. سلوكات امتناع المرضى عن التداوي و سلوكات الترمضينة خلال شهر رمضان كما يقال في المغرب” راسها قاسح” ترفض التغيير بمعنى آخر ، لكن الأرقام بدورها “راسها قاسح” و هاته الأرقام تعكس الإرتفاع المهول للوافدين على المستعجلات يوميا خلال شهر رمضان، مع إختلاف الأسباب و الزمان: ارتفاع الوافدين من ضحايا الضرب و الجرح قبل الإفطار، و ارتفاع الوافدين بعده من ضحايا حوادث السير.

مع الإشارة إلى أن معظم الحالات هي حالات حرجة ، زد عن دلك العديد من الوافدين الدين يشتكون من آلام معدية حادة التي تخفي أحيانا أزمة قلبية. (الصيام له تأثير أيضا على صحة الطاقم الطبي بالمستعجلات و دقة تدخلاته، الذي يباشرها 24 ساعة متتالية و أحيانا أكثر؛ في هدا الصدد، هناك فتوى أصدرت فالستينيات لازالت معمول بها إلى اليوم تمنع ربابنة الطائرات الحربية من الصعود إلى الطائرة في حالة الصيام! و يلزمون بأكل ثمرة قبل ولوجها! لمادا ليس هناك جواز للجراحين و الممرضين؟ فموضوع تدخلهم هو حياتنا في العديد من الأحيان.) هاته الأرقام أيضا و معدلات إرتفاع الجريمة “راسها قاسح” بمعنى أننا ملزمين بتغيير المقاربة تربويا، أمنيا و إعلاميا لتصحيح المفاهيم و إقتراح نمادج بديلة سواء في الفضائات المغلقة أو في الفضاء العام و نبرأ رمضان من إعتدائاتنا. الصيام هو علاقة روحية و تجربة ذاتية، لا تقبل الإسقاطات و لا المزايدات. قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة: 184]. و عاد ليقول تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } سورة البقرة الآية 185 2) “إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه”

 

بقلم: رضا محاسني
بريس تطوان

 

 


شاهد أيضا