التنصير سرطان - بريس تطوان

التنصير سرطان

التنصير سرطان

كثيراً ما يَعْثُرُ الباحث المسلم أثناء تناوله لموضوع تردي أوضاع المسلمين وتقهقرهم، على نصوص للمستشرقين أو المنصرين يستلهم منها فهمَه لجانب من جوانب ذلك الموضوع. ولا يخفى عن المسلمين أن التنصير والاستشراق قد قَدَّمَا ومَا فَتِئَا يُقدمان من المجهودات والأعمال الكبيرة، خدمة للاستعمارين القديم والجديد، وللسياسة الغربية المعاصرة، وذلك فيما يرتبط بالعالم الإسلامي.
ولطالما قرأت نصوصاً تنصيرية واستشراقية يَنْضَحُ مضمونها بالخبث والمكر والكذب والدهاء، أو توحي بنشوة الكبر والاستعلاء والانتصار؛ كما هو شأن النص التالي : يقول صموئيل زويمر أحد أعمدة التنصير في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي وذلك خلال انعقاد مؤتمر القدس التنصيري سنة 1935م. «إنكم أعددتم نشءا (في بلاد المسلمين) لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلمين من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي؛ لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات. فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز… ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء. إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه وانتهيتم إلى خير النتائج، وباركتكم المسيحية ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الرب([1])
لا شك أن هذا المنصر الحقود كان يشعر بالاستعلاء والكبر، ويحس بنشوة الانتصار تسري في كيانه أثناء تصريحه بهذا الكلام الخطير. والغريب أنه يتحدث عن نشء مسلم ينتمي إلى العقد الرابع من القرن العشرين الميلادي؛ أي قبل ثمانين سنة. ولنا أن نتساءل :
من يا ترى يكون هذا النشء ؟ من يقصد من المسلمين بهذا الكلام، أي نشء هذا الذي أُخرج من الإسلام على حد تعبيره، «ولم تدخلوه في المسيحية» ؟!
لعله يقصد بلا ريب، أولئك الشباب الذين درسوا في المدارس والمعاهد والكليات التي أسسها المستعمر البريطاني والفرنسي في مصر والشام. إنهم أبناء العائلات الثرية، أبناء الطبقة البورجازية التي اختارت، زمن الاستعمار، الغرب قبلة لها.  لقد كانت مصالح هذه الطبقة متناغمة مع مصالح المستعمِر الغاشم كما وضعت يدها في يده، واتفقا على تغريب بلاد المسلمين. وانحدر من ذلك النشء المذموم المنحرف صنيع الاستعمار؛ أجيال من المستغربين المنبهرين بالغرب المسيحي ومدنيته. إن المستغربين المعاصرين من ذرية النشء المشؤوم هم الذين كانوا ولا يزالون، يتقلدون المناصب العليا والمسؤوليات الكبيرة ذات التأثير البالغ في السياسة والثقافة والتربية والاجتماع، مع ما يبذلونه من جهود تصب في تغريب المجتمع المسلم. وقد قلَّدتهم وآزرتهم في هذا التوجه التغريبي طائفة من الحداثيين والعلمانيين واللادينيين ومن سواهم من عامة الأنجلوفونيين أو الفرانكفونيين في البلاد الإسلامية، من المسؤولين والأطر العليا وأصحاب الشركات … الخ.
ولقد صدق صموئيل زويمر في نعته لهذا النشء وذريته بنشء الخمول والكسل والسعي وراء الدنيا والشهوات. ومما زاد في الطين بلة أن هذه الأوصاف الذميمة كادت تعم المسلمين إلا من رحم الله تعالى.
فكيف يهتم بالعظائم ويتأثر بهموم الأمة المسلمة ويهب لنصرة المظلومين من المسلمين … الخ، من يصبح ويُمسي وهمَّه الدنيا والشهوات والمصالح الشخصية ؟
لقد نجح مخطط المنصرين والمستشرقين والمستعمرين، فأين مخطط علماء الأمة ودعاتها والمسؤولين عنها ؟

بقلم الدكتور /عبد الله الشارف

    
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   

([1])محمد محمود الصواف : المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، ط : 3. دار الاعتصام. القاهرة ص218.

بريس تطوان

 


شاهد أيضا