قصة نجاح وتألق للأديبة التطوانية الدكتورة "سعاد الناصر" - بريس تطوان

قصة نجاح وتألق للأديبة التطوانية الدكتورة “سعاد الناصر”

قصة نجاح وتألق للأديبة التطوانية الدكتورة “سعاد الناصر”
في إطار رصده المتواصل للنساء الرائدات في عالم الثقافة والفكر والابداع، استضاف برنامج متألقات التي تديره الصحافية أسماء ابن الفاسي نموذجا متفردا لكفاح المرأة المغربية وإرادتها الصلبة التي تجاوزت كل العقبات.
نموذجا لأديبة وشاعرة وأستاذة عصامية ورائدة في الكتابة النسائية بالعالم العربي، الدكتورة سعاد الناصر.

في البرنامج الذي تنتجه الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، يطل المشاهد المغربي وكل عشاق الأدب على تجربة علمية وإنسانية مليئة بالإبهار والإصرار، لامرأة شقت طريقها بخطى وثيقة نحو طلب العلم ونيل أعلى درجاته. متسلحة بعزيمتها قوية وتحد لكل الصعاب والعقبات.

– بداية العشق.. بداية التألق

انطلقت مقدمة البرنامج بسؤال عن الأهمية التي تحظى بها تطوان عند ضيفتها، فكان الكشف والبوح.. فالمدينة تعني لسعاد الناصر كل ما هو جميل في حياتها وفي الكون كله. وتعني القيم وكل رموز المحبة والسلام والتسامح. تحكي كيف ترعرعت بين وديانها وبين طبيعتها الخلابة، وتتذكر المتنزهات الطبيعية التي كانت تجذب العائلات التطوانية في فصل الربيع.

تعود سعاد الناصر بالذاكرة إلى بداية نشأتها ضمن حضن أسرة محافظة، التحقت بالكتاب وعمرها لم يتجاوز الثالثة. حرصت أمها أن تحفظ القرآن الكريم، مما ساعدها على تشبثها باللغة العربية، وأسهم والدها في دفعها إلى حب القراءة وإلى الشغف به.

تتذكر ضيفة البرنامج خلال هذا البوح، كيف كانت بنات العائلة يلعبن بالدمى والبيوت، لكنها غالبا ما تنزوي في ركن من أركان البيت لتنهمك في القراءة، التي شدتها بشكل عجيب. فتعلمت الإنصات إلى ذبذبات الكتاب ونبضاته العميقة.. والإنصات إلى الآخر.. فعلاقتها بالكتاب جعلها تنصت أكثر مما تتحدث، متأملة كل ما ينطق به للآخر.

تعود مرة ثانية خلال هذا اللقاء لاسترجاع الذاكرة، وتستحضر محطة رئيسة في حياتها. حين وجدت نفسها فجأة في عالم الكبار، وهي لا تزال ترتدي لباس الطفولة. فاضطرت للاندماج في حياة أسرة جديدة، وجدت نفسها أمام زوج ، وأفراد من العائلة في بيت واحد، وسنها لا يتجاوز الخامسة عشر. وللاندماج في هذا المحيط، عادت تنزوي في أركان البيت لمواصلة القراءة بنهم، بعد الانتهاء من أشغال البيت. وخلف هذا الإصرار في البداية نقاشا داخل العائلة، غير أن طموحها كان أقوى بعد أن راهنت على صحبة الكتاب.

– وصفة خاصة للنجاح.. للتألق

تنتقل سعاد الناصر في هذا الحوار إلى بوح جديد يرتبط بمرحلة جديدة في مسارها، يتعلق الأمر بقرار متابعتها الدراسة لتحقيق ذاتها ووجودها، فقد تحول الزوج من معارض الى مناصر للقراءة ومتابعة دراستها. تقوى السند الذي اعتمدت عليه طيلة مشوارها الدراسي، إلى جانب والدها الذي كان من أنصار متابعتها للدراسة، ومن حسن الصدف أن فتحت كلية الآداب والعلوم الإنسانية أبوابها خلال تلك الفترة بتطوان.

ورغم كل الالتزامات العائلية والانشغالات الكثيرة، ظلت سعاد الناصر متشبثة بالاستمرار في النجاح. وفي هذا السياق تؤمن سعاد الناصر أنه لا توجد وصفة جاهزة للنجاح ، فلكل شخصية ناجحة وصفتها الخاصة، غير أنها تقر أن تحديد الهدف يعد أبرز وصفة لنجاحها ، فبعد تحديده تمضي لتحقيقه ، ثم تصنف الأهداف الصغرى مع التأكيد على ترتيب الأولويات للوصول الى النجاح المطلوب. لكن نجاحها لم يكن ليتحقق دون سند كل العائلة، فقد أسهمت في تجاوز كل الصعوبات، ولعب دور كبير في خلق جو إيجابي على امتداد مسارها العلمي والإبداعي..

وصاحب بداية هذا النجاح، بروز لقب ” أم سلمى ” طبع عددا من إبداعاتها وكتاباتها. وعن ذلك تحكي أن الأمر يعود إلى فترة ميلاد ابنتها سلمى ، حين نشرت أولى قصيدتها بصحيفة تشجع الناشئين في الأدب “ميثاق الشباب” ، فقررت أن تلقب بذلك تيمنا بابنتها سلمى. وقد جر عليها هذا اللقب تساؤلات، لكنها نفت أنه ارتباطه برغبة في إخفاء اسمها.

– ملامسة المشاعر الإنسانية.. غوص في أعماق التألق

جالت متألقة هذا البرنامج بين الشعر والقصة والنقد والمقال طيلة مسيرتها الأدبية والإبداعية.. فأغنت المشهد الأدبي بمجموعة من الإصدارات والدراسات والمقالات. وبين هذه الحقول الشاسعة تقر أن الكتابة لم تكن يوما ترفا بل رسالة أدتها بصدق، مستحضرة قضايا الذات والأمة والوطن. فعبرت عنها من خلال الغوص في أعماق الإنسان للارتقاء به وبالواقع عن طريق الأدب والإبداع. وضمن المساحة المخصصة للكتابة تجد أم سلمى نفسها مزاوجة بين القصيدة والقصة القصيرة، فهما وجهان لعملة واحدة. لكن حبها الأول يتجه للشعر والقصيدة، التي تغوص في أعماق الذات وتلامس المشاعر الإنسانية أكثر مما تلامسه القصة.

ثمة شخصيات عالمة ومبدعة تفاعلت معهم، تاركين بصماتهم على التجربة الإبداعية كما تكشف ضيف هذه الحلقة. ومنهم الشعراء حسن الأمراني ومحمد الرباوي وأمينة المريني ومليكة العاصمي.. وفي مجال السرد قرأت للكثير .. صعب عليها تحديدهم ، غير أنها كشفت عن تأثرها بالروائية رضوى عاشور وخاصة في ثلاثية غرناطة، حيث أبدعت وأجادت وأثارت قضايا لامست فيها قضايا الأنثى والوطن السليب. وللأديبة المحتفى بها قصة مع جمع الكتب، وقد ارتبط عشقها بداية بالمكتبة التجارية لوالدها، ثم جمعت مكتبة خاصة تضم عددا من إصداراتها التي تلوذ إليها في كل وقت وحين .. فهي تكشف عن شخصيتها الحقيقية، كما جاء في بوحها في هذا البرنامج.

ولأن حبها لتطوان بدأ قويا ومبكرا، فقد خصصت المدينة موضوعا لأطروحة الدكتوراه الموسومة ب” الحركة الأدبية في مدينة تطوان”. هذا الاختيار يعكس اعتزازها بمدينة عاشت كملتقى الحضارات خاصة في الفترة التي درستها 1930 إلى 1950. وما رافق ذلك من انفتاح واسع على المشرق العربي. فقد تحولت المدينة إلى بؤرة ثقافية وأدبية التقى فيها مجموعة من الأدباء على مستوى العالم العربي والمغربي، وتخرج منها في تلك الفترة عدد من الأدباء والشعراء المغاربة والباحثين الكبار..

-ما يشبه الخاتمة
تنتقل سعاد الناصر إلى محطة جديدة لا تقل أهمية عن الأخرى، وتلتحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان للتدريس. فشعرت بالفخر والاعتزاز هكذا تبوح معترفة، خاصة وأنها تعمل إلى جانب أساتذة وباحثين سبق أن أشرفوا على تدريسها… ينتهي البرنامج .. ويتواصل التألق…
د.أحمد المريني/ بريس تطوان


شاهد أيضا