ومن الهجرة ما قتل - بريس تطوان

ومن الهجرة ما قتل

ومن الهجرة ما قتل
وهم لا يزالون يحلمون بغد أفضل يرقى بهم حيث الإستقرار و الاستقلال..، حتى تصفعهم موجة عاتية تعلو و تلقي بأجسادهم عند ناصية الحلم، فالحلم ضفة أوروبية زاخرة بالثروات و الواقع ساحل الوطن الذي لوح لبضع ساعات مفارقا قبل أن يحتضن المغادر من جديد..

نعم؛ يحدث للهجرة أن تصير حلما! لشاب سئم الواقع المر، مل تشرده بين الأزقة التي لا مخرج لها و تمنى الموت مرارا بدل شعوره كعالة وسط مجتمع قاس…اختار المحيط العنيف وراهن على حنانه و عطفه ثم قامر بعمره و زهرة شبابه عله يحظى ببعض من الكرامة في غير مكان…؛
يحدث للهجرة أن تصير حلما! وتخطف رجال الغد من عقر مساكنهم ثم ترسم المتوسط بساطا سحريا يحمل الحالمين نحو جنة الأرض، مستولية على عقولهم و هي أغلى ماباتوا يملكون، بعد أن غادرتهم أرواحهم وهم على قيد الحياة…؛
يحدث للهجرة أن تصير حلما! حلما كبيرا، عميقا، زهريا.. يأتي على هيئة الحياة الرغيدة، السهلة المنال إذ لا عذاب و لا محنة و لا تعب فقط مالذ وطاب وما تشتهي الأنفس …

مقاييس دقيقة يضعها الشاب المغربي الذي يقرر الهجرة، إذ لا تتردد مخيلته في اعتماد المجاز وهي تصف الجارة الأوروبية وظروف العيش هناك… اعتقادات توارثتها الأجيال، ظلت راسخة و أبت الاندثار، الأموال الطائلة، جمال النساء المبهر و العيش الكريم ، الحقوق و الحريات و المساعدات الاجتماعية و الانسانية، الرحمة، الرأفة و غيرها… ،
الشيء الذي يجعل الحالم يرتمي في أحد قوارب الموت قاصدا جنة الله فوق الأرض، راكبها مفقود و النازل منها مولود و بين من فقد، من ولد و من وجد : خوف و ترقب و أمل، و الكثير من الأمنيات… تلك العيون الناطقة وسط أعماق بحر أرعن تتحدث بلسان صامت و تسترسل حجم البؤس و الأسى، فأن يختار الفرد التخلي عن موطنه، أهله و نفسه لاجئا إلى حضن غريب، مغامرا، مواجها شبح الموت و الذل و الغربة.. فذاك لا يدل إلا على ملامسته القاهرة لأدنى دركات الإقصاء و التهميش،
الأمر لايعد سهلا أبدا، أن يسلك أحدهم أخطر الطرق بحثا عن ذاته أصعب مايمكن أن يعاش، و ياليت الرياح تجري بما يشتهي المهاجر!! فعدد الأحلام الغارقة، المنتحرة و الملقاة على السواحل مهول جدا يكاد يضاهي عدد من لامست قدماه الشط و ذاق نظرات الدونية و العنصرية و آلفت أذنيه أصوات الميترو و القطار من كثرة النوم في ضواحيهما، كما تجرع المرار بفراره المتواصل من أمن الشوارع…!
هجر الأوطان يا أصدقاء مؤلم جدا، فمن الهجر ما عذب و من الهجر ما قتل!!
مريم كرودي/ بريس تطوان


شاهد أيضا