قارب مفقود - بريس تطوان

قارب مفقود

قارب مفقود

و بين مد الأصالة و جزر المعاصرة يتأرجح قارب هويته،

 تجذبه الرياح الغربية فيتبعها لينسلخ من جذوره،

 يراوده الشعور بالخوف من الثقافة الأخرى و الجزع من فقدان الهوية …

 فيقرر العودة إلى حضن ثقافته العبقة بنسمات أعراف لم يصل صيتها إلى غير مكان.

هاته النسمات التي فقدت جودتها و تجردت من أصالتها فغدت مختلطة بعطور دخيلة، غدت عديمة العليل و مغشوشة الأريج.

جلس في قاربه متأملاً في حاله تائهاً، هائماً بين أمواج الغرب العاتية المسيطرة التي تشد نظره  وتضعف قواه بجبروتها و تأسره بجمالها الفتان… بحرية أفكارها و دقة توقيت حركاتها…

وبين أمواج أصوله التي تطغى عليها بساطة الأزقة و عراقة الطرقات …

 أمواج قليلة الهيجان و ضعيفة التأثير…

 لكن تحمل بين ثناياها قطرات العروبة و عنبر شهامتها، تنطوي تحت لواءها طمأنينة القلوب و حنان الأمومة،

تغريه بدفئ اللمات و نفحات العادات،

اختلطت السبل أمامه و احتار أي طريق يسلك فأخذ يبحر في أعالي الحياة و يغوص في أعماق أيامها …

صار يقتبس من هنا و هناك ليُحمّل مركبه بزاد المتعة الشاهقة تارة و المحبة الصادقة تارة أخرى.

قضى حياته محاولاً السيطرة على مسار قارب الهوية ساعياُ إيصاله إلى بر الأمان، مرامه النجاة بأقل الخسائر فالوجهة مجهولة و الطريق محفوف بالصعاب

شرع يجدف بكل قوته. تلك القوة المقترنة بازدواجية هوية نتج عنها اللاهوية . حاول جاهداً… بيد أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن

ارتج القارب و فُقِدت السيطرة. كيف لا؟ و سعته تفوق الحمولة الساكنة فوق ظهره …

 

فما أصعب فقدان الهوية و ما أعسر الفشل في المحافظة عليها وأنت في حضن وطنك ووطنها.

 
بقلم مريم كرودي/ بريس تطوان


شاهد أيضا