داء الكآبة - بريس تطوان

داء الكآبة

 
في محطة القطار تجلس شابة في مقتبل العمر أو بالأحرى يحتل جسدها مقعدا بينما يتركه العقل وحيدا هناك و يرحل؛ و على بعد أمتار يتكئ رجل على حائط يسرح بخياله حيث الأحلام و العوائق..؛ ثم تتذمر سيدة جميلة مما ألحقه بها الزمن و تعدل جلستها قبل أن تتحدث في ميكرفون إعلام و إرشادات المسافرين بنبرة تكاد تشبه السعادة بعض الشيء…تتأفف أم في زاوية أخرى و يضيق نفسها من بكاء صغيرها و شدة الانتظار.. بينما تعتكف عقول جل الجالسين المنتظرين كما من ودعوا الانتظار و استقلوا القطار، و تصوم قلوبهم السعادة لسبب أو لآخر…؛
ولو جربت مجالسة بعضهم أو كلهم سيثير استغرابك تشابه حالاتهم رغم اختلاف القصص فالداء واحد و الدواء مفقود لدى الجميع!!

داء الكآبة المعدي و الذي لم يتردد في التفشي بين البشر و التناقل من روح إلى أخرى إلى أن صارت الأرواح كلها تشبه بعضها البعض و تساوى الكبير و الصغير و لم يستثن أحد من نوباته الخطيرة…؛
هو الإيقاع المرتفع للحياة، ضغط الوقت، المسؤوليات الجسيمة، الاختلال المفجع في توازن العيش، و الفجوة العميقة ببن التطلعات و الواقع… أسباب من بين أخرى تدفع الإنسان إلى الدخول في موجة اكتئاب علني يحرمه من الفرح ونور الحياة.

لكل ظروفه الخاصة به ولكل أسلوب حياة ينهجه في طريقه إليها إلا أن اعوجاج السكة يحول دون وصول المسافرين، إذ صار البعض يلجأ إلى اللامكان هربا من المكان و مصاعبه لنصدم اليوم بأرقام مهولة لضحايا الإنتحار و الهجرة السرية و للمترددين على عيادات أطباء الأمراض النفسية والعصبية، بينما يختار البعض الآخر الانطواء و التقوقع خوفا من مواجهة العالم …

هو الداء القاتل الذي يتربص بالبشرية جمعاء و يأتي على هيئة انشغالات و مشاكل لا تستثني أحدا منها… فلا مال و لا منصب و لاثوب يستطيع التصدي له، وحده اللجوء إلى النفس يفي بالغرض.
نهل ثلة للطاقة من الطبيعة و أصواتها و إكتساب الشحنة الايجابية عن طريق الحركة البدنية و العضلية من رياضات و أنشطة ممتعة.. هاربين من الروتين اليومي يمكن اعتباره سدا يقف منيعا أمام الكآبة متصديا لها، شأنه شأن الروحانيات عبادة و تأملا و التي تؤخذ كدواء فعال لكل داء مهما بلغ خبثه.

أظن أن السبب الرئيسي وراء انتشار الكآبة و مشتقاتها في أنحاء العالم هو اهتزاز الثقة بالنفس، و الإله و الوطن .. كما الزمن. فما دام الفرد يستوحش بيئته، ماتوسعت رقعة المرض.. وما استمر يعتقد أن السماء ستمطر فرحا، ما اسودت النظرة بين عينيه… وما ظل ينظر إلى ما في يد غيره، إلا تبخر ما بين يديه… هي أخذ و عطاء، صعود و هبوط و رضا بالقضاء و القدر.. و إلا فلا مبدأ للحياة. فما الدواء إلا اعتناء بالنفس و النعم و ما الداء إلى نظرة فاشلة لمستقبل بعيد و تغاض متعمد لحاضر يشاركنا اللحظة.

مريم كرودي/ بريس تطوان


شاهد أيضا