تاريخ الأنوار "التطاونية " و مقتضيات التوهج - بريس تطوان

تاريخ الأنوار “التطاونية ” و مقتضيات التوهج

تاريخ الأنوار “التطاونية ” و مقتضيات التوهج

لما نهضنا، رفقة ثلة من المعارف، بمبادرة إصدار منبر إعلامي من تطاون، مباركينه باسم “الأنوار”، كنت شخصيا، أستجيب لداعي ” المسؤولية الحضارية ” الذي كان لدي، أيامئذ، محض حدس أولي، أنضجته الأيام و الرجال حتلى اتخذ الهيأة المعروفة عنه في ملفات العمل التي وضعتها لمجلة “تطاون العامرة ” و مفاد هذا الداعي، أن جيلنا لا بد به من استعادة عافيته التاريخية، حتى يشارك في تحقيق هويته الثقافية، على هدي اختيارات ورؤى جديدة، تناسب خصوصيته كجيل يعيش سياقا فكريا و سياسيا و ثقافيا و حضاريا مختلفا بالكل أو بالجزء، عن سياق جيل الحركة الوطنية، و وراثيهم من جيل الاستقلال.

و لكي أمضي إلى البرهنة إلى هذا الداعي، لم يكن لي أن أخوض في مناظرات فكرية و سياسية عن السقم التاريخي الذي يعيشه جيلنا، ومن يكون هذا الذي يكون جيلا بملامحه الخاصة وسياقه الخاص و فكره المخصوص، فإن مكان ذلك كله منبر المسؤولية الحضارية، فضلا عن أن دائرة الضوء التي رسمتها ” الأنوار” لم تكن قادرة على أن تشمل مثل تلك القضايا كان حسبي من ذلك قيادة ذرات من النور لكشف ملامح من الوجود التطواني تاريخا و ثقافة و حضارة، في أفق إبلاله من آفة التجريد، ـ ولا أقول التعديم ـ التي يترهن إليها و هكذا أحببت الإسبانية، و محاضرة “ليفي بروفنصال “في تطاون، و أول درس فلسفي فيها و قبيل من ذلك مما توثقه الأعداد الثلاثة الأولى من “الأنوار ” التطاونية.
أما ذرات النور الأخرى، فقد اختار باقي المعارف توجيهها إلى جوانب ثقافية و سياسية و اجتماعية، قدروا أهميتها و مضوا إلى التحدث عنها، بما ظهر لهم من رأي، و تحصل لديهم من علم.

و الواقع أن لم أكن دائما متفقا مع من يذهبون إلبه من رأي، وما يصدرونه من حكم، بل إني بالأصل لم أكن حتى متفقا في اختيار بعض القضايا، و طريقة تناولها إعلاميا، لسبب ظاهر هو أن “الأنوار” ليست جريدة وطنية، بل محلية، ولسبب خفي، هو أن أيامنا لم تكن لديه الأهلية الصحافية، إذ لا أحد منا يحترف مهنتها، و إذن من دواعي الشفقة مضي صحيفتنا إلى أداء إعلامي على غير مقتضياته المشهورة بين الناس، و هذا ما حدث أسفا.

غير أن ذلك لم يكن يمنع من العمل، فإشعال شمعة واحدة أفضل من لعن الظلام كما يقال، و تلك هي الروح التي انطلقنا بها في “الأنوار” التطاونية، ولكن على خلاف في التصورات و الاختيارات، و هي على وضعها ، يمكن تصنيفها على التقريب، و بدون استئذان “الأنواريين ” إلى أربعة أنماط، لم يكن هناك وعي بها من طرف أصحابها فهي بادية بكا وضوح في أفكارهم و سلوكهم:

النمط الأول ـ كم أنا طامع في تسامحه ـ منخرط في العمل السياسي المباشر بانكساراته و آماله ، ينتمي إلى تنظيم سياسي عرف مرحلة السرية فالعلنية، أثقل ما يكون بترسبات نكسة 1967  ، و الروح السبعينية الفوارة ، عاش سنوات الثمانينيات بثقافة النضال الديمقراطي، و هاهو يدرك بمرارة عصر ” الثقافة السياسية الجديدة “.

النمط الثاني ـ كم أنا طامع إلى شفافيته ـ متغرب حتى حدود “الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية ” ، ذاهل عن أصول الفكر الغربي ، و ضحلة ثقافته الدينية المسيحية و الإسلامية ، يعيش في تطاون و قلبه في الرباط ، ينتمي إلى هيئة ثقافية و مركزية و لم نقرأ له قط دراسة نقدية علمية موثقة عن الأدب المغربي المكتوب بالإسبانية.

النمط الثالث ـ كم أنا طامع في شهامته ـ ” تقنوقراطي ” ، يحسن لغة الحسابات ، و قليلا من فن العلاقات العامة ، ينظر إلى الصفحة في الجريدة فلا يرى غير الإعلان التجاري مترجما إلى أرقام نقدية ، يصلح للإدارة المالية ن و لا يصلح للإدارة السياسية ، و يحسن أن لا يعرف رأيه في الأمور الثقافية.

النمط الرابع ـ كم أنا طامع في مؤلفاته ـ  متجدر في تطاونيته، و ممتد في مغربيته ، يفسر العالم، و لا يجرؤ على تغييره، تلميذ مخلص لآباء الوطنية في الشمال، يتعلم منهم دون أن يوافقهم الرأي في مفهوم الوطنية ، له صبر على مطالعة الأعمال الكاملة التي يقرأ غيره عناويتها فحب للتباهي، آفة العمل الثقافي في رأيه داخل تطاون تصدر الأنباء الكذبة للمجالس و هرولة الأدعياء وراء الألقاب ، ولاءه للمدينة العامرة ، و أما الأحواب فرأيه فيها رأي فلاسفة إسبانيا الأحرار.

جميع هذه الأنماط، عملت على اختلاف مشاربها الفكرية و اختياراتها السياسية، جنبا إلى جنب طيلة صدور ثلاثة أعداد من “الأنوار”، و لو قدر لها الاستمرار، لصنعت من الأنوار و هجا وهاجا، يسطع بضوئه، فيملأ الآفاق ضياء، شريطة توحد كان يكون منهم في الرؤية، و تبصر بالقصد، و اشتراك في قضية محددة، و استقلال كامل عن إرادة أية جهة من الجهات.

و لكن أسباب كثيرة منعت ذلك من أن يكون كذلك . و من سائرها في نظري، غياب الحس الشمالي لدى الأنواريين ، سواء فيما يفكرون فيه ، أو يكتبون عنه . و مبررهم في ذلك أن الحس الشمالي لدى الأنواريين، سواء فيما يفكرون فيه، أو يكتبون عنه . و مبررهم في ذلك أن الحس المغربي أولى من الحس الشمالي، كان الأول لا يجتمع مع الثاني في الحس الوطني الوحدوي.
هذا الحس و غيابه لديهم، أشعرني بغربة رهيبة قطعت سبل التواصل بيننا، فهم من غير جيلي، لايفهمون لغتي العربية، ويجهلون مرجعيتي الفكرية، و ينكرون على معرفتي “يهودا الأسخريوطي” من ريحه و هذا حال من إذا تحلى بفضيلة العمل الفردي لا ينبغي أن يلام على قدر ما يمكن أن يكون لديه من إيمان بأهمية العمل الجماعي، واحترام للتفكير المشترك، و ثقة في أن الحقيقة مسؤولية جماعية، و أن الحوار قيمة القيم.
و إذا كان بعض الأنواريين قد صبروا علي حتى أتعلم فضيلة العمل الجماعي، فإني صبرت عليهم حتى ينضج لديهم الحس الشمالي، فيدكوا أنهم يصدرون جريدة من برزخ حضاري عظيم القدر و الجلالة. و هكذا صبر الواحد منا على الآخر “في مكانين مفترقين على حالين مختلفين ” بغير مخاذلة من جانبي، و بكل مناصرة من جانبهم، و كلانا ينصر مذهبه، و يحقق معتقده، و أثنائها منعت يومية “أنوال” من الصدور، و أصبحت ” الأنوار” لسان حال “منظمة العمل الديمقراطي الشعب”، و انتقلت من صفتها التطاونية، إلى صفتها الجزبية ، في ظروف يحسن أن أرجىء  إظهار رأيي فيها إلى مناسبة أخرى.

و بغض النزر عما صاخب ذاك من تّأويلات، سيئة أو حسنة، فإني أعتبر أن ذلك الانتقال، على المستوى المبدئي، محمدة عالية تنضاف إلى محامد الشمال، فقد كان تطاون دائما “دار هجرة ” لإخواننا الجنوبيين في العهد الاستعماري، و في العهد الاستقلالي، و الجزء الشمالي من المغرب، عمق استراتيجي لجزئه الجنوبي هذا إلى أني نظرت فيما نظرت إلى ذلط الانتقال من زاوية أخرى و هي أن ” الانوار” خرجت من البعد المحلي إلى البعد الوطني و اكتسبت إشعاعها المأمول ولو بالشرعية التأسيسية التاريخية .
و لست في حاجة إلى القول إن مجرد تهيؤ الفرصة لحزب وطني مركزي لكي يعبر عن أفكاره و مواقفه بواسطة جريدة محلية من تطاون، في الوقت الذي حرم فيه من حقه في الكلام، هو أم الفضائل، فما عرف التخاذل و المخاذلة عن الشماليين قط،  والآن وبعد عودة صدور “الأنوار” مستقلة القرار، حرة الإدارة، لا ولاء لها إلا لقضيتها الإعلامية في بعده المحلي، و في امتدادها الوطني . و ما أخال ذلك إلا متحققا ، و قد بدأت أرى عند بعضهم بداية طيبة لاستعادة وعيهم التاريخي ، و استرداد هويتهم الثقافية.

و بعد  هذا و ذاك، التوهج دائما ل “الأنوار” و المجد دائما لتطاون، و الخير لهذا الوطن الممتد فينا حلما.
محمد بلال أشمل

تطاون العامرة

أفقا للتفكير
تطوان 2002م


شاهد أيضا