قراءة في “جدار الصمت” للمخرج التطواني محمد سعيد الدردابي
يقدم الفيلم الوثائقي :” جدار الصمت”، للمخرج المغربي محمد سعيد الدردابي، رؤية حصيفة لفن إدارة حوار شيق مثير، بين مخرجين ونقاد ومنتجين سينمائيين مغاربة، حول أكثر الموضوعات إثارة للهواجس والريب، وسوء الفهم، والمهاترات، والخوف من سلطة متعددة الأقنعة والأذرع والألسنة…إلخ. ولعل الصخب الأصم الذي أثير نقعه حول فيلم :” الزين اللي فيك” لنبيل عيوش، يضيء حكمة كاميرا المخرج الشاب التي اختارت أن تصغي لذلك العدد الهام من المنشغلين بقضايا الإبداع السينمائي المغربي، وهم يدلون بآرائهم ووجهات نظرهم في ” الثالوث المحرم”: السياسة- الدين- الجنس؛ على نحو هيأ للمهتمين، وعموم المتلقين، مرجعا فنيا وفكريا هاما، يضع قضايا المحرم، والمسكوت عنه، واللامفكر فيه، والممنوع، والمدنس، في قلب النقاش العمومي باعتبارها مشاغل فنية وفكرية، وموضوعات للبحث والحوار، في السينما وعنها، بعيدا عن أي لغط سوقي.
تحاكي حركات كاميرا محمد سعيد الدردابي، في اقتصاد وتكتم، جمهورا سينمائيا في ذروة الانتباه يحرض، في هدوء شرس، سينمائيين مغاربة على الخوض في ما يبدو أنه يرعب المغاربة: صور عريهم المادي والرمزي سينمائيا؛ وكأن لقطة مؤسسة تطرح سؤال: كيف تنظر إلى حضور السياسي، أو الديني، أو الجنسي في السينما المغربية؟. تليها لقطات وحركات وأوضاع وزوايا تردد: وماذا بعد؟، أهذا كل شيء؟، كيف تنظر إلى هذا الحضور في أعمال زملائك؟. هل يقلقك التفكير في الرقابة؟. وهل تمارس رقابة ذاتية على أعمالك؟. هل تشغلك مواقف معادية مرتقبة من الجمهور؟. … تتخللها أسئلة من جنسها، مع بعض التحوير، تستدرج نقادا ومنتجين إلى قلب الإطار، في نوع من المسرحة الذكية لمائدة حوار متنقلة، لم يؤثر في سلاسة سيرها اختلاف الفضاءات والأفكار والأمزجة. وبتغييره لأوضاع المخرجين تجاه الكاميرا، عبر قلب أدوارهم، من مديرين للأعمال السينمائية إلى ممثلين لرؤى هذه الإدارة وتمثلاتها، استطاع “جدار الصمت” أن يمنحنا، في سخاء، فرصة الوقوف على آراء مبدعين تنصب لهم خصوصية فنهم فخاخا قد تكون قاتلة، بالنظر إلى جنون الاستقطاب الذي تمارسه الصورة في مجتمع ينبذ القراءة؛ علما بأنهم يملكون أفضل الوسائل لتحويل العيون إلى عقول مهذبة متحررة من سلطة الخوف وأقنعتها المهرجة.
فعلى امتداد نحو خمسين دقيقة بالغة الكثافة، نجحت اللقطات الثابتة، القريبة نسبيا من المتحدثين، في تحويل التصريحات والشهادات، التي سجلت في فضاءات متباينة وعلى مسافات زمنية مختلفة، إلى مواجهات حامية بين سينمائيين لا يخفي بعضهم قلقه الراسخ من كتلة الممنوع المعتمة الصماء التي تحدد بصرامة حدود المرئي والمعلن عنه؛ بينما تملك فئة صغيرة منهم جرأة التعبير عن إرادة تقليص مساحة هذه الكتلة التي تتشكل من رقابات متعددة المشارب. وبين تصادم الرؤيتين تنفتح مساحات شاسعة من الأسئلة أمام جمهور السينما المغربية، حول تجربة المشاهدة نفسها، كتجربة إنسانية في المقام الأول، من الطبيعي أن تساهم في إعادة صياغة علاقة المشاهد كفرد بذاته وبحياته في أبعادها المتعددة، باعتبار الفرجة تجربة حياة تستمد غناها أو فقرها من طبيعة العمل السينمائي نفسه بما هو إعادة صياغة للحياة، من خلال زاوية النظر التي تسرد بها تفاصيلها.
ومن بين أبرز هذه الأسئلة وأكثرها إثارة للدهشة وللاستغراب، هو كيف تتطابق تصورات بعض المخرجين المغاربة مع أردأ أنواع الوعي الاجتماعي وأقربها إلى ميوعة الكتل الغرائزية؟. ولماذا يثير الجنس ولغة الحوار “العارية” ذلك القدر الهادر من الاتهامات البذيئة؟. وما الذي يجبرنا على حصر السياسة وقضاياها المعقدة في سنوات الرصاص وتجربة الإنصاف والمصالحة؟.
في الحديث عن الجنس في السينما المغربية، يبدي معظم المتدخلين، مع استثناءات نادرة، سطحية لا سبيل إلى الشفاء منها عبر تغييب كلي لأي إشارة ذات قيمة معرفية أو فنية إلى الشساعة اللانهائية لعالم الرغبات والأهواء والعواطف وملاحم الحب اليومية التي يفيض بها العالم الإنساني، والتي تشكل بطبيعتها حياة تعيد السينما صياغتها وفق رؤى تقترح علينا عوالم وحيوات جديدة، تجعل من مساحة العمل المرئي كونا يبتكره الخيال؛ وإذا ما كان علينا الحكم برداءة عمل ما، فلن يكون ذلك سوى بسبب عجزه عن أن يقنعنا بجدواه كعمل فني، أخذا في الاعتبار أن القيم الأخلاقية الوحيدة التي يقوم على ضوئها العمل الفني هي القيم الجمالية. ما عدا ذلك يتحول النقاش إلى سباب ومهاترات واتهامات قذرة حول استغلال مفترض لغرائز الجمهور، في حرب تدور رحاها حول شباك التذاكر. وقد نجح:”جدار الصمت” في استدراج هذه البذاءة لتنشر نفسها تحت ضوء الكاميرا، محاصرة في الآن نفسه من جرأة مخرجين يستميتون في الدفاع عن حقهم في :”إضافة صور إلى هذا العالم”، لأن ما يجري خلف الأبواب المغلقة في السينما، لا يمثل أسرارا من صنف ما تحتشد بها العقول والنفوس المريضة المتلصصة، مما ترغب فيه وتلعنه، ما دام يقترح نفسه على الشاشة كعمل فني.
ومن الغريب حقا أن يثار موضوع الجنس دون أن يرد الحب كقيمة جمالية تلطف من بؤس العالم، وتفتح أمام السينمائيين عالما سيظل مصدر إلهام دائم، بصرف النظر عن طبيعة القيود القانونية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية؛ لأن هذا التغييب يذكرنا بانشطار الإنسان في الرؤى المحافظة إلى جسد وروح، مع ما يتولد عن هذا الفصل القسري من شيطنة للجسد تفضي إلى محاصرته بالصمت والمنع والإكراه، وإلى تحويله إلى هدف للمراقبة العمومية، بعيدا عن الحق الفردي في ملكية الجسد الخاص، وما تقوم عليه هذه الملكية وتمنحه من هبات طبيعية، يجري منعها وفق رؤى تحكمية تغذيها أنساق تسلطية ترهب الحقوق الفردية لأنها ترى فيها تهديدا مباشرا لكل إجماع. لذلك يمكن اعتبار أن السؤال حول حدود ما يمكن تصويره، لا يرتبط، في رأيي المتواضع، بجرأة المخرج، أو بأي قدر من التساهل من جانب الرقابات المتعددة، بل بالرغبة والقدرة على إبداع سرد سينمائي يعيد صياغة هذا العالم بالغ الثراء الذي يتفجر حول الجسد والحب في كل لحظة وحين من الحياة الإنسانية. وفي هذا الإطار يمكن اعتبار رؤية الحسن زينون رؤية لامعة، لأنها تعري سلطا رمزية تكبح تطور الرؤية الجمالية للجسد الإنساني. وهي رؤية تحاكم سجن العين في رؤية غريزية للجسد وللحب، رؤية تستمد عنفها الإقصائي من احتقار بدوي لأي تفتح تشكيلي على العالم.
فيلم:” جدار الصمت” من الأفلام الوثائقية التي تشبع رغبة المتلقي في الإنصات إلى مبدعين ونقاد ومنتجين يتحدثون عن السينما. وبصرف النظر عن حواري المتواضع معه، استطاع “ممثلوه” أن يقدموا آراءهم، التي تتراوح بين رصانة البعض وسفه البعض الآخر، في قضايا تشكل مجالا حيويا لصراع وجود بين إرادتي التحكم والتحرر؛ بين تغول كتلة العتمة، وانبثاق منافذ ضوء جمالي في الأفق.
يونس الجراري/لبريس تطوان
