ثورة الملك والشعب من ثورة الحرية في الذكرى 63 إلى ثورة الثروة والذات…
إن لحدث ثورة الملك والشعب أهمية بالغة في تحديد ذات المغرب الوطنية وبنيته وهويته التي لا تنسلخ عن الخصوصيات التاريخية والدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية للشعب المغربي وعلاقته المتينة بالعرش، حيث المراحل التي توالت من حياة البلاد، حافظت دائما على أهم أسرار البقاء والمواكبة للتطورات العالمية، ويتمثل في قرب الملك من الشعب وتلاحمهما، سواء في المجال الديني أو الثقافي أو في زمن المحن، حيث تظهر الأزمات والكوارث قوة وصلابة الترابط المتين بين العرش والشعب، مما يفسر وعي الشعب بمسألة الوحدة والترابط المتراص الذي لا تجد كثير من الدول الغربية له تفسيرا …
واليوم كسابقه، للملك مكانة عالية في حياة الشعب، وإن اختلفت طبيعة الثورة التي تعد ثورة معاصرة ومتجددة تواجه التحديات الحديثة والعدو الخفي المتمثل في التخلف وتآمر الأعداء على وحدة المغرب، ومواجهة مخاطر مختلفة تهدد أمن واستقرار الشعوب والمناطق والإنسانية، ومنها ثورة الثروة المادية واللامادية … وعليه فالثورة المادية التي يشترك فيها الملك والشعب اليوم كرأسمال مادي لمواجهة القضايا والمشاكل المعاصرة، سواء الدولية أو الوطنية، تتطلب تحديد سياسات جديدة من شأنها تقوية التلاحم ومسايرة التطور وتعزز بقاء المغرب ملكا وشعبا في دائرة الاستقرار بدون مبالغة أو انتقاص، من خلال مراجعة سلبيات ونقائص السياسات العمومية المتبعة، واستهاض سياسات عمومية جديدة تدفع بالموضوع إلى النقاش والتحليل، ومنه إلى التقنين والضبط، بعيدا عن أي مخالفة للقانون وللهوية الوطنية وللبعد الاستراتيجي الذي يتوخاه المغرب.
ومن السياسات العمومية التي بدأت تلوح في الأفق، نجد الثروة الاقتصادية والبشرية والسياسات العمومية ذات الصلة بهما.
إن محدودية الميزانية العامة للدولة ليس مبدءا منزلا من السماء، بل هو قرار سياسي وبشري نسبي ممكن تغييره بقرار جريء يتوخى الرفع من هذه الميزانية بالذكاء الاقتصادي والاجتماعي والمالي، خصوصا وأن سؤال الثروة لا يجيب عنه أحد، بل ما يزال معلقا وطابوها في المعارك السياسية الخفية إلى أن أعلن عنه صاحب الجلالة في خطبه، وهو ما جعله يحمّل الجميع خطر مسؤولية المساس بالثروة خارج نطاق الدولة والقانون، ومؤكدا على مسألة الحفاظ عليها ورفع اليد عنها لضخها في سيرورة الدولة وتقوية التنمية التي تعتبر الميزانية العامة أهم مداخلها … والاغتناء من الدولة أصبح جريمة جنائية وسياسية ومسؤولية مدنية، لأن المال العام هو مال الشعب والدولة وليس الأشخاص…
الرأسمال اللامادي
ويتعلق الأمر بسن سياسات عمومية جديدة تخص: العنصر البشري باعتبار الإنسان رأسمالا لاماديا يعود بالنفع على المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها السياسة التعليمية التي تحول الدولة من مستوى إلى مستوى أكثر تطورا، بل كل الدول المتقدمة اعتمدت على التعليم كعنصر بناء بشري لإنجاح المخططات والاستثمار في مختلف المجالات، وذلك بإنتاج الإنسان وعلاقات الإنتاج ذات الارتباط بالإنسان على المدى البعيد والمتوسط والقريب.
الرأسمال الأمني
نظرا لأن الاستقرار عامل من عوامل البناء المتين، ونظرا لأن هذا العنصر متوفر ينبغي استغلاله بشكل دقيق لتحسين الإنتاج والمردودية بسن سياسة عمومية تقضي بإزالة العوائق النفسية والثقافية من أمام المبادرات الهادفة، بل ينبغي تقديم ضمانات أمنية ملموسة لتشجيع الإنتاج والاستثمار، وفي جوهرها العنصر البشري.
الموقع الجغرافي أو الجيو ستراتيجي
كرأسمال لامادي بحكم أن المغرب متواجد في منطقة جد مهمة من العالم، وتسمح له بالاستفادة من العلاقات الدولية، نظرا للقرب من كل الدول العربية والإسلامية والأوربية والأفريقية والأمريكية… وهذا رأسمال لامادي أيضا ينبغي إدراجه ضمن سياسات عمومية ناجعة ….
القيم الوطنية الدينية والروحية والإنسانية
أيضا كرأسمال لامادي، هو عامل من عوامل استنهاض طاقات المغرب، حيث الاعتدال الديني والامتداد الروحي هو سهم من أسهم التنمية المادية، وكفيل بالدفع بمستوى المغرب الى الافضل…
العدل
كرأسمال لامادي، ذلك أن العدالة الضامنة لحقوق المتقاضين أو ما يسمى المحاكمة العادلة هي أيضا قيمة لامادية تساهم في تشجيع الاستثمار وتحسين مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتشجع على تحويل رؤوس الأموال نحو المغرب.
كل هذه العوامل لا يمكن ملامستها إلا بثورة الملك والشعب، وفق رؤية تحددها سياسات عمومية معاصرة تعزز عبور المغرب إلى صفوف دول الاقتصاد الصاعد ….
بريس تطوان /د.أحمد درداري
