رواد الصافة العربية بتطوان وشمال المغرب (الجزء2)
الحاج محمد الصفار أول صحافي مغربي على مستوى العالم العربي والإفريقي (تتمة)
……ومن جملة محال التقاطهم للأخبار القمرتان الكبيرة والصغيرة، (مجلس النبلاء ومجلس النواب) اللتان يجتمعون فيها لتدبير قوانينهم فإذا اجتمع أهل القمرة واخذوا في الخوض في نوازلهم ووقائعهم جلس أصحاب الكوازيط في ناحية، ويكتبون كل ما تكلم به فيها، فكل ما وقع الكلام عليه فيها انبرم من الاحكام يصبح غدا في الكوازيط، ويشهر لسائر الناس، وليس يقدر أحد أن يمنعهم من ذلك إلا إذا كان كلامهم في أمر سر يجب كتمه عن سار الناس فيمنعونه.
ولأصحاب الكوازيط مراسلات ومكاتبات مع سائر البلاد ولهم في كل بلد من يعرفهم بأخبارها وما وقع فيها آو بلغها من جهة اخرى، فذلك نجد أهل الكوازيط يعرفون غرائب الأخبار قبل الناس، وهؤلاء الملتقطون يظلون يومهم في التقاط الأخبار فإذا أمسوا تكلم كل واحد منهم بما جمعه في ذلك اليوم، فيطبعه صاحب الكازيطة ويجعل منه عدة ورقات بطبع الاسطنبا وسيأتي بيانها.
فإذا أصبح فرقها على من يأخذها منه فيبعث لكل واحد من مرتبيه ورقة، ومعنى هذا أن سائر أكابر الفرنسيس خصوصا في باريز يتفقون مع صاحب الكازيطة على أن يرسل لهم كل يوم كوازيط متعددة من عند عددا معلوما كل عام، أعني ثمنها، وكذلك سائر القهاوي كل يوم ترسل لهم كوازيط متعددة من عند أناس شتى، فإذا دخلها الداخل فأول ما يناوله له الخادم الكازيطة ليطلع على ما تجدد من أخبار، ثم يأتيه بالقهوة، ويتحافظون عليها ويرفعونها، فمن أراد آن يعلم ما وقع في غابر السنين يفتش على كازيطة ذلك الوقت في القهاوي أو غيرها فيجد فيها ذلك.
ومن جملة ما هو مرقوم صدر الكازيطة أن ثمنها كذا في العام، وكذا مدة إقامتنا بباريز كل يوم تاتي لصاحب الدار التي كنا فيها كازيطة جديدة من أصح كوازيطهم أخبارا مكتوب أولها أن ثمنها ستة عشر ريالا في العام، ويتعاقد صاحبها مع من يشاء أن يبعثها له على ما شاء من الزمن قليله أو كثيره، إلا ما نقص عن شهر، فلا يبعثها له مدة عشرين يوما مثلا، وكان يقال أن صاحب الكازيطة المذكورة يطبع كل يوم نحو خمسة عشر ألف كازيطة، وكل واحدة في ورقة طولها وعرضها نحو ذراعين;
مكتوبة من الجهتين تجد فيها أخبار باريز وسائر بلادا لفرنسيس، وأخبار بلاد النصارى كلها، وبلاد المشرق والمغرب والبر، والبحر، ويسفر منها الأعداد لسائر البلدان، فكلما دخلت بلدا من بلدان فرنسا، تجد فيها كازيطة باريز كما انك تجد بباريز كوازيط الآفاق فبسبب ذلك لا يخفى عليهم خبر سواء كان داخليا أو خارجيا، وليس ما فيها كله صحيح بل ربما كان الكذب فيها أكثر من الصدق، ولكنها تتضمن أخبارا تتشوق النفس للعلم بها، ولها عندهم فوائد منها: الاطلاع على أمر من الأمور، ولم يكن من أهله فانه يكتب في الكازيطة ويشهر لسائر الناس حتى يطلع عليه ذوا رأيهم، فاذا كان سدادا اتبعوه، وان كان صاحبه حقيرا، وهذا مما يستحسن كما قال الشاعر:
لا تحقرن الرأي وهو موافق *** وجه الصواب إذا أتى من ناقص.
فالدر وهو اجل شيء يقتني *** ما حط قيمته هوان الغائص.
نقلا عن كتاب ” الصحافة بشمال المغرب من التأسيس إلى الاستقلال”
للأستاذ النقيب محمد الحبيب الخراز
بريس تطوان
