تصدير لكتاب العلَّامَة الشيخ محمد حدُّو أمزيان
تصدير
لنجل المؤلف الأستاذ الدكتور حذيفة أمزيان
رئيس جامعة عبد المالك السعدي
تطوان – طنجة
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،
فيسعدنا أن نزُفَّ للقراء الكرام صُدُورَ هذا الكتاب الحافل والممتع والمتنوِّع؛ الذي جُمِعَتْ ورُتِّبَتْ فيه أبحاثُ ومقالاتُ الوالدِ العلَّامَة الشيخ محمد حدُّو أمزيان رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته، وذلك لتشجيع الدارسين والباحثين وعموم المثقفين وطلبة العلوم المختلفة على الاشتغال بالعلم والبحث والدرس؛ وإنْ حَالَتْ دون ذلك المناصبُ والمسؤولياتُ الإدارية والسياسية، التي قد يتولَّاها الباحث والمثقف، وقد كان الوالدُ رحمه الله نموذجاً حياً لذلك، فلم تمنعه مسؤولياتُه الجسيمةُ والمختلفةُ من رئاسةٍ للاستئناف المخزني ومديريةِ التعليم الديني ومهامه السياسية في حزب المغرب الحر أو الشورى والاستقلال في عهد الحماية، ولا عمادة كلية أصول الدين والمجلس العلمي في تطوان فيما بعد؛ من اشتغاله واهتمامه بالبحث والدرس والمطالعة، وكتابة المقالات والتصنيف؛ مع ضيق الوقت، وزحمة المسؤوليات، وكثرة الأشغال، فينبغي لعلمائنا وأساتذتنا وطلبتنا أن يكون لهم هذا الجيلُ العصاميُّ قدوةً وأسوة.
هذا، وقد خَلَّف الوالدُ -رحمه الله- تراثاً علمياً ليس باليسير، يجده القراء في فقرات ترجمته الحافلة، وذلك خلال مراحل حياته العلمية المختلفة، ومنذ عاد من جامعة الأزهر الشريف من القاهرة “بحرا متفجِّرا من العلم وشهابا وارياً من الدِّين” كما ذكر المترجِم له في مقدمة الكتاب.
فكَتَبَ مقالاتٍ وبحوثاً متنوعةً في المجلات العلمية والصحف قبْل الاستقلال وبعْده، ولم يتوقَّف عن الكتابة والقراءة والاشتغال إلى آخر يوم من حياته.
ولا غرابة في ذلك، فالدُّرُّ من معْدِنه، وغزارة العلم في العلوم العربية والشرعية؛ إنما ملأ وِطَابَها عصاميتُه وكثرةُ شيوخه وأساتذته في المشرق والمغرب، فجَمَعَ بين الثقافتين المغربية والمشرقية، وانفتاحه على العصر وقضاياه وقد أتقن على يد أساتذته الإسبان معرفة اللغة والثقافة والحضارة الغربية لَمَّا دَرَسَ بمليلية المرحلةَ الابتدائية والثانوية.
والكتابُ الذي يصدُر اليوم، ونزفه للقراء الكرام، هو أول الغيث، والغيث قطرة ثم ينهمر، فلا زال من تراث الوالد ومؤلفاته ومذكراته الكثير، والذي سنُخرجه –إن شاء الله تعالى- تِبَاعاً؛ لِتَتَّخِذَهُ الأجيالُ من الشباب نِبْرَاساً يُضيء لهم الطريقَ في مُدْلَهِمَّاتِ الخطوب.
وقد قَيَّضَ الله تعالى – وَلَهُ الحمْدُ – لهذا الأمرِ باحثاً مَشْهُوراً، وعالماً مَعْرُوفاً، هو ابنُ عَمَّتِنَا الكريمة وصديقُنا العزيز: فضيلة الدكتور توفيق بن أحمد الغلبزوري الأستاذ بجامعة القرويين بكلية أصول الدين بتطوان، فسهر على جمع هذه الأبحاث والمقالات طوال سنوات من مظانها ومصادرها، وتخريجها وتصحيحها ومراجعتها، وليس هذا بالأمر السَّهْلِ الْهَيِّنِ، بل دونه عملٌ كثير، وجهدٌ كبير، فجزاه الله خيرا، وأجْزَلَ له أجرا.
وقد أحسن الدكتور توفيق تحريرَ الكتاب وتحبيرَه؛ لَمَّا صَنَّفَه تصنيفا دقيقا، ورتبه ترتيبا مُحْكَماً، باعتماده لمنهج علمي قويم وواضح، وذلك بتقسيمه الكتابَ إلى ثمانية محاور رئيسة:
المحور الأول: ترجم فيه للمؤلف ترجمة ضافية؛ في سياق التأريخ للعصر، وللنشأة العلمية، والعطاء والإنتاج والجهود.
والمحور الثاني: خصصه للتفسير الموضوعي للقرآن الكريم، وجمع فيه مقالات الوالد في التفسير.
والمحور الثالث: أفرده لمقالات الوالد في الفقه والأصول والاجتهاد والسياسة الشرعية.
والمحور الرابع: جمع فيه الفتاوى الشرعية حول تصرفات المكلفين اليومية، خلال رئاسة الوالد رحمه الله للمجلس العلمي بتطوان.
والمحور الخامس: استوعب فيه المقالات والأبحاث في الدعوة والتربية، وغالبها موجهة للشباب المغربي الصاعد والواعد.
والمحور السادس: مختصرات من دروس الوعظ والإرشاد في شؤون الدنيا والدين، التي كان يعدها رحمه الله لدروسه العلمية في المساجد والمنتديات العامة.
والمحور السابع: مقالات في الأمراض الاجتماعية وعلاجها في الإسلام. التي كان يخصصها لجريدة المغرب الحر لسان الحزب يومئذ، إسهاما منه في الإصلاح الاجتماعي من صيدلية الشريعة حينئذ.
والمحور الثامن: جمع فيه مقالاته الوطنية، حول التشبث والتمسك بالثوابت التي أجمعت عليها الأمة المغربية عبر تاريخها الطويل والأصيل، ومحاضراتٍ افتتاحيةً لمناقشة الدروس الحسنية الرمضانية.
ولا بد من الإشارة في هذا التصدير إلى أن إحياء فكر وكتابات هذه الشخصية البارزة في ذاكرة منطقة الشمال خاصة، والمغرب عامة؛ ليس من باب ذكر المناقب والمكارم، وإنما هو إسهام في التعريف برجالات المغرب وعلمائه الكبار، الذين أحْيَوْا هذه الأُمَّةَ بنُور العلم والمعرفة، وطردوا عنها ظلمات الجهل والأمِّية، فكانوا من أسباب تقدمها وتطورها وازدهارها، والذين ربَّوا الأجيال قبل الاستقلال وبعده على التمسك بالدين والأخلاق وحُبِّ الوطن، حتى يتَّخِذَ منهم أبناؤُنا اليومَ قدوةً في الترقِّي بالأمة ثقافةً وعلماً، وإدارةً وسياسة، لتتقدم أمتنا وتزدهر في طريق العزة والسؤدد والكرامة، ولن يكون ذلك أبدا إلا بالعلم والمعرفة، وأن يُضيفَ الخلفُ إلى ما أنْتَجَه السلف، مُعترِفا بفضله وسابقته؛ إذ لا يَعترف بالفضل لأهل الفضل إلا ذَوُوه؛ كما قال الفرزدق الشاعر:
أولائك آبائي فأْتِني بمثْلِهِمُ إذا جمعَتْنَا ياجَرِيرُ المجامعُ
أولئك الذين هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه، والحمد لله رب العالمين.
بريس تطوان
