* تاريخ تطوان : (حرب تطوان 1860)
ما هي الروح التي كانت تسيطر على المحتلين لتطوان:
نجد التعبير عن هذه الروح واضحا جليا فيما كتبه السنيور فكيراس في كتابه”مارويكوس” Marruecos.
والسنيور فڭيراس كان يرى أن الأسباب الحقيقية لتلك الحرب إنما هي سياسية محضة، وكان يستنكر أقوال الذين يظهرون الفكرة الصليبية، إلا أنه أثبت لنا أن الفكرة التي كانت تسيطر على الرأي العام في إسبانيا، هي فكرة التعصب الديني، والتلهف على تنفيذ وصية إيسابيل الكاثوليكية من تنصير أهل المغرب وإلحاقهم مع أرضهم بإسبانيا سياسيا ودينيا.
والصحافة – كما هو معلوم – هي لسان الأمة، وتلك الصحافة هي التي كانت تقول ذلك وتنشره، وقد قال السنيور فڭيراس في الفصل السادس من كتابه المذكور ما ترجمته:
“وعادة الصحافة دائما إخراج الأمور عن نطاقها، وبهذه المناسبة أخذت تقول: إننا سنذهب لفتح إفريقيا للقيام بتنفيذ وصية إيسابيل الكاثوليكية”.
ثم قال بعد ذلك:
“ومما هو أدهى وأمر، ترويج فكرة الحرب الصليبية، وإعطاء حرب إفريقيا صفة الجهاد المقدس، مع أن هذه دعوى باطلة لا تمت إلى الواقع بسبب”.
وقال بعد ذلك:
“إن هذه الصورة التي أضفيت على هذه الحرب من أنها فتح إفريقيا، وأدهى من ذلك صبغة الصليبية، لم تكن إلا باطلا محضا لا داعي إلى ارتكابه”.
وقال بعد ذلك:
“ولقد نبه الشعب وأججت فيه عاطفة الحرب الدينية، مع أن القوم يعلمون حق العلم أن الحرب ما كان لها أن تأخذ هذه الصورة”.
ثم قال بعد ذلك:
“وقد حصل الشعب المغربي على عدة تحسينات وفوائد كان السبب فيها احتلالنا لمدينة تطوان، غير أن النتائج لم تصل إلى ما كنا نريده حيث اصطدمت بصخرة هذه الصبغة الزائفة التي أعطيت لهذه الحرب من تسميتها حربا صليبية”.
ثم قال في الفصل السابع ما ترجمته :
“ولفقدان الاتجاه الوطني وحيرة القوم في البحث عن مثل أعلى لم يجدوا أمامهم – يعني الساسة الإسبانيين – أيسر من أن يدعوا – زورا وبهتانا – ان حرب 1860 حرب صليبية”.
وقد نقلنا عنه في مكان آخر، أن هذه الحرب لم يتورع أن يقال فيها، إنها تنفيذ لإرادة إيسابيل الكاثوليكية، وان تحويل الرئيس الأعلى للجيش أحد المساجد المهمة إلى كنيسة كاثوليكية، لم يكن إلا انعكاسا لأشعة تلك الروح…
وفي هذا الموضوع يقول أخونا ورفيقنا الأستاذ التهامي الوزاني شارحا لفكرة صديقنا السنيور فڭيراس ما نصه:
أما روح فيڭيراس فإنها روح وطنية، ترمي إلى أن الاحتلال كان ينبغي أن يتجه إلى سلطة زمنية فيرضى المغاربة بعدم التعرض لما يوذي شعورهم، بل كان على الجيش المنتصر أن يظهر من تعظيم المساجد والأضرحة أكثر من اللازم، ليفهم المغاربة أن الاحتلال الإسباني ليس من الخطر على الدين والمصالح الدنيوية بحيث يستنكف منه لذلك، لكن إهانة المساجد لا تنفع إسبانيا ولا تضر المغرب، وإنما كانت سببا قويا في تدعيم ما يدعيه دعاة الجهاد من الدفاع عن المعابد والمقدسات.
وفكرة فيڭيراس عن الناحية السياسية، فكرة كانت أفيد لإسبانيا ألف مرة من سلوك أودنيل، لكن الاعتبارات تختلف زمنا ومكانا واتجاها وأسلوب تفكير، فأودونيل جندي يعمل لنصرة الصليب دون أي اعتبار، فعمله عمل رجل صوفي”.
ونظن أن ما ذكرناه، كاف لبيان الروح التي كانت تسيطر على الرأي العام في إسبانيا أثناء تلك الحرب، أي أنها روح التعصب للمسيحية ضد الإسلام، وتلك الروح هي التي أرغمت أهل هذه الضفة – من البحر الأبيض المتوسط – على مقابلتها بتعصب مماثل للإسلام والمغرب والعروبة، وهي التي – كما قال فيڭيراس نفسه – حالت دون أخذ المغربيين بمظاهر الحضارة التي قام بها الإسبانيون في تطوان أثناء فترة احتلالها.
ونحن – كنا ومازلنا – نرى أن التعصب ضد المغتصبين المعتدين، عمل توجيه الوطنية الصحيحة على الأحرار، وهو على العموم وصف حميد، أما التعصب ضد الإصلاحات كالتعصب الأعمى للعقيدة والمذهب والحزب والعنصرية، فإنما ذلك مظهر من مظاهر التأخر والجمود والتزمت وقصر النظر.
ومما لاشك فيه أن إسبانيا كان – وما زال – بها سياسيون لا تهمهم الناحية الدينية، وإنما كانوا يعملون للسيطرة السياسية والاقتصادية، مع السماح لمحكوميهم بالتطور الذي يقتضيه العصر وتسمح به السياسة والظروف، ولكن مما لاشك فيه أيضا، أن الروح التي كانت مسيطرة على جل الإسبانيين في حرب الستين، إنما هي روح صليبية كاثوليكية روجها السياسيون الماكرون لاستغلال شعور الشعب الإسباني المسكين الطيب القلب المخلص في إيمانه، المبالغ في الانقياد لقادته ولو كانوا من المستغلين.
الإسبانيون وأعمالهم بتطوان أثناء الاحتلال :
علمنا مما سبق، ان من أول الأعمال التي قام بها الإسبانيون عقب احتلالهم لتطوان، أنهم وزعوا دورها على ضباطهم وجنودهم، وكان جل أهلها قد غادروها، وقد نهب السوقة ومن في حكمهم جل محتوياتها، ثم طافت لجنة من الضباط بأنحاء المدينة واختاروا الأماكن المناسبة للمصالح العامة والمستشفيات والمخازن ومأوى الخيول، والدواب (اصطبلات).
وقد كانت المساجد والزوايا نظرا لاتساعها وتعددها، من أول ما استعمل لمختلف الأغراض، ما بين محترم ومهان.
وكان القائد الأعلى للجيش الإسباني قد عين لتطوان حاكما عسكريا، فأصبحت المدينة وكل ما فيها تحت الحكم العسكري الصارم الذي يفعل صاحبه ما يشاء اعتمادا على قوته فلا يسأل عما يفعل.
وقد اتفق الذين كتبوا عن أحوال تطوان في ذلك العهد، على أن الإسبانيين لم يكونوا يسمحون لأي مسلم بدخول تطوان إلا إذا كان حاملا لورقة رسمية خاصة بذلك.
وكانت المواد الغذائية وغيرها ترد أولا من إسبانيا، ثم فتحت الأسواق وأخذ سكان القبائل المجاورة يتبادلون البيع والشراء مع المدينة طوعا أو كرها، رغبة أو رهبة، والقضية التي نراها ثابتة واضحة لا تحتاج لدليل، ولا نظن أنه يستطيع أحد أن يعارض فيها فضلا عن أن ينكرها، هي أن الأمل الذي كان لدى كثير من الإسبانيين، هو إلحاق تطوان بإسبانيا وجعلها – مثل سبتة ومليلية – مدينة إسبانية كاثوليكية بأهلها ولغتها ودينها وعوائدها وجميع مظاهرها، واعتبار العدد الضئيل الذي بقي فيها من المسلمين، أقلية لا قيمة لها مطلقا كما هو الحال في المسلمين المقيمين بسبتة ومليلية، فالفكرة الجديدة التي طرأت بعد ذلك بكثير، وهي فكرة اخوة الشعبين الجارين وتعاونهما إلخ الأقوال المزخرفة، لم يكن أهل ذلك العصر يعرفونها، ومن كان يسمع بها منهم كان يعدها سخفا وهراء، والأعمال التي قام الإسبانيون بها في تطوان قصدا أو عفوا أو طيشا، كلها لا تترك أدنى شك في ذلك.
يقول الإسبانيون انهم:
وسعوا الطرقات وغرسوا الأشجار على جوانبها.
وأدخلوا النور الكهربائي لأول مرة إلى المغرب.
وجلبوا أول مطبعة.
وأنشأوا أول جريدة.
ومدوا أول سكة حديدية.
وسموا الشوارع.
ووضعوا الأرقام على الأماكن. إلخ.
وهذه كلها أشياء حسنة مفيدة، وكنا حقيقة نود لو أن المغرب استفاد منها وحافظ عليها وعممها في مختلف الجهات، وجعل ذلك نواة لحضارة جديدة يساير المغرب بها بقية دول ذلك العهد.
ولكن يظهر أن التعصب كان قد بلغ غايته في ذلك التاريخ لدى الفريقين، وأن الإسبانيين كانت تنقصهم المرونة واللباقة التي يستطيعون بها أن يستجلبوا القلوب نحوهم ونحو أعمالهم، كما أن روح التعصب والغطرسة التي كانت مسيطرة على الكثيرين منهم، كانت تمنع الناس من استحسان أي شيء يصدر عنهم ولو كان صالحا مفيدا.
أما الرأي العام المغربي، فيظهر أنه كان يرى أن الأعمال التي قام الإسبانيون بها في تطوان لمصلحتهم، لا تعد شيئا بالنسبة لما كان يهدد دينهم ووطنهم من دخولهما تحت رحمة من يخالفهم في العقيدة والوطنية، وحتى الذين رضوا بالبقاء في تطوان تحت السيطرة الأجنبية لأسباب يعلمها الله، كانوا يرون أن الإهانات التي كانوا يلقونها من مختلف الطبقات الإسبانية، لا تزيدهم إلا نفورا من الإسبانيين وأعمالهم، وما كتبه أولئك المتخلفون بتطوان، سواء في عهد الاحتلال أو بعد الجلاء، كله مملوء غيظا وحنقا على المحتلين، وما رأيت أحدا منهم كتب ولو كلمة واحدة في الثناء على أولئك المحتلين، ولو على الأعمال الإصلاحية التي قاموا بها حتى تجاوز بعضهم الحدود في التعصب ضدهم والتحامل عليهم.
ويظهر أنه بقدر ما كان أولئك الإسبانيون يحملون من روح التعصب الديني، والابتهاج بما ظنوه انتصارا للكاثوليكية على الإسلام، كان المغاربة عموما وأهل تطوان بالخصوص، يزدادون حنقا عليهم ومقتا لهم ولأعمالهم وتعصبا للإسلام والمغرب.
والسنيور فيڭيراس – كما رأيت – يرى أن عدم النجاح في الإصلاحات التي قام بها الإسبانيون في تطوان، سببه هو تلك الصبغة الصليبية التي ألصقت بتلك الحرب.
وقد جاء في طرة كتاب الراهب منويل كاسطيانوس ما ترجمته:
“لكي تعرف درجة الحضارة عند المغاربة، يلزمنا أن نعلن أن جميع الإصلاحات (يعني الأعمال التي قام بها الإسبانيون في تطوان أثناء احتلالها) اندثرت عن آخرها إثر إخلاء جيشنا للمدينة، فكل شيء تبدل، فحذفوا أسماء الشوارع وأرقام البيوت، ولم يبق ولو قنديل واحد لإنارة الشوارع، وأقلعوا جميع الأشجار المغروسة على جانبي الطريق.
وبالجملة، خربوا كل ما يمكن أن يذكر بالانتصار الذي أحرزته إسبانيا”.
أما موقف يهود تطوان فيقول عنه أخونا الأستاذ التهامي الوزاني ما نصه:
وكان موقف اليهود دائما إلى جنب الغالب، فقد كانوا يشترون متاع المسلمين الذي يبيعه لهم أنفار الجيش مما أخذوه من البيوت، وأصبحوا يهينون المسلمين المقيمين بتطاون، واتخذ منهم الغالبون تراجمة وسماسرة، وربحوا أكثر مما أضاعه عليهم أجلاف العربان، وعندما عادت السيادة المغربية، علقوا شارات الفرح، وبالغوا في إظهار الفرح، رغم أن المسلمين لم يفعلوا شيئا من ذلك، بل ظلوا متأملين، وبقوا على أساهم ما داموا في الحياة، وذكرت جدتي أن أباها مات في الجهاد، وخلف وراءه أربعة من الولد ليس لهم إلا أرملة، أخذتهم مقطورين في لثامها(1) ليلا يضيعوا في ظلمة الليل، حتى وصلت بهم إلى وادراس وصارت تخدم مع الناس نهارا وتتكفف ليلا لتقوت أطفالها، ثم ضاقت ذرعا فهامت بهم على وجهها حتى وصلت إلى القصر الكبير، وهنالك لقيت شيئا من العطف، فأخذ الجيران يتعهدونها بالصدقات على أبناء المجاهد، والمرأة كانت شريفة من أكبر البيوتات مروءة. (عائلة الهاني)
فكيف تكون نفس هذه الأرملة المتحطمة ؟
مقتطف من مقالات في كلمات العدد82 للأستاذ محمد الشودري عن تاريخ تطوان “للفقيه العلامة المرحوم محمد داود – تطوان” 1386-1966
القسم الثالث من المجلد الخامس (من : ص 316 إلى 320)
—————————————
(1)-وقد علق أخونا الأستاذ محمد بنونة على قول الأستاذ الوزاني (مقطورين في لثامها) بقوله :
“كان النساء التطوانيات يصنعن لثمهن من قماش أبيض طويل يتراوح طوله بين 1,60 و 1,50م وعرضه 0,40 ويطرزن طرفيه بأنواع من طرز الإبرة وبألوان من الحرير الهندي الجميل، ولهذا تسنى لهذه السيدة المهاجرة أن تقطر باللثام أطفالها” (أي جعلت بعضهم بعضا كقطار الإبل أو العربات).
