تاريخ تطوان: سيدي السعيدي مولى تطوان وسلطانها - بريس تطوان

تاريخ تطوان: سيدي السعيدي مولى تطوان وسلطانها

تاريخ تطوان:  

*سيدي السعيدي:

يقول العوام في تطوان وفي كثير من أنحاء المغرب، إن سيدي السعيدي هو مولى تطوان وسلطانها أي انه هو صالحها ووليها وحاميها وضامنها كما يقولون في مولاي إدريس إنه مولى فاس وفي سيدي علي بن راشد انه مولى شفشاون إلخ.

وسيدي السعيدي هذا بخلاف أولئك الأشخاص، وبخلاف جميع الذين ترجمت لهم في هذا الكتاب، فإن أولئك كلهم معروفة أسماؤهم وألقابهم وأنسابهم وتواريخ وجودهم، ولهم ذكر في الكتب الصحيحة، فوجودهم محقق لاشك فيه. ولا خلاف في أسمائهم وأنسابهم وتواريخهم، أما سيدي السعيدي هذا فتاريخه الحقيقي مجهول لدينا تماما، إذ وقع اضطراب في اسمه ونسبه وأصله وكل شيء يتعلق به، بل لا أعرف أحدا من المؤرخين الموثوق بهم ذكر عنه أي شيء صحيح في أي كتاب ما عدا ما هو شائع على ألسنة العوام، مع أن المؤرخين تكلموا على من عداه من الرجال القدماء بتطوان كما يعلم ذلك من تراجمهم، فهذا القائد أبو الحسن المنظري مؤسس تطوان الحديثة، معروف الاسم و النسب والتاريخ، وكذلك الشيخ عبد القادر التبين، والشيخ أبو عبد الله الفخار، والشيخ أبو يعلى طلحة الذريج، والشيخ علي الفحل، والقاضي الكراسي، والعلماء من أولاد ابن قريش، والمجاهدون من أولاد النقسيس، كلهم عاشوا وماتوا بتطوان ودفنو بها قبل مآت السنين، وتكلم عليهم المؤرخون، بل نجد في كتب التاريخ والتراجم حتى ذكر عدد من المجاذيب الذين كانوا بتطوان، فلماذا لا نجد لسيدي السعيدي ذكرا في أي كتاب أو تقييد أو أي مؤلف من المؤلفات التي تكلمت على غيره من أولئك العلماء والصالحين والمجاهدين؟ فإن قال قائل، وهذه الزاوية الكبيرة، وهذا الضريح المشهور، وهذه الشهرة العظيمة وتبرك الناس بمقامه؟ فإنا نقول، أما الضريح وزاويته فإن الذي بناهما شخص معروف الاسم واللقب والتاريخ، وهو الشيخ قاسم الحاج جد أولاد الحاج الموجودين إلى الآن بتطوان والشيخ قاسم المذكور عاش بتطوان في أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر، وتوفي ودفن في نفس الزاوية المذكورة، وقبره جنب القبر الذي يقال انه لسيدي السعيدي تحت الدربوز الكبير الذي في وسط القبة أمام المحراب.

وأما هذه الشهرة العامية وقصد الناس وخصوصا النساء لضريحه والتبرك به إلخ. فإن ذلك لا يكفي لإثبات وجود الشخص، فضلا عن خصوصيته. لأننا نجد لبعض الجمادات من أحجار وعيون وأشجار وغيرها من الشهرة ما يجعل العوام يقصدونها ويتبركون بها وقد يتوسلون إلى الله بجاهها وحرمتها، بل يتقربون إلى الله بخدمتها… والأمر لله.

*كيف عرف الناس سيدي السعيدي:

قلنا إن سيدي السعيدي لا يعرف على سبيل التحقيق لا اسمه ولا نسبه ولا بلده ولا تاريخه ولا ولا… ولنا إذن أن نسأل من أين عرف الناس أن هناك وليا يقال له سيدي السعيدي- أو- سيدي الصعيدي  واشتهر اسمه وقد تواتر خبره حتى نسبت له تطوان وقيل انها بلد سيدي السعيدي وأنه هو مولاها ووليها وصالحها وضامنها وحاميها إلخ. وقد أجاب المؤرخ سكيرج بما يعتبر جوابا عن هذا السؤال، فذكر أن أصل الحكاية أن المحل الذي به الآن ضريح سيدي السعيدي كان خلاء وقد نبت فيه عليق، وهو شوك متكتل، وذات يوم دخل كلب إلى وسط ذلك الشوك وبال عليه فلم يغادر مكانه إلا وهو أعمى فاقد البصر فقال الناس اذ ذاك إنه لابد أن  يكون ذلك كرامة لصاحب قبر هناك، ولابد أن يكون صاحب ذلك القبر من الصالحين، وكان قرب ذلك المكان مراح به دواب ومواشي لأحد أولاد الحاج فرأى صاحب ذلك المراح في المنام رجلا قال له إنني أنا هو الصعيدي فأظهر قبري وأشهره، فبنى عليه وأشهر قبره ودفن هو إلى جانبه وجعل هناك دربوز كبير كدربوز مولاي إدريس بفاس…إلخ وزاد شيخنا الرهوني أن الذي وقف على الحاج في المنام قال له. أنا الصعيدي علم على قبري ليلا يوذي أحد. فقطع تلك الشجرة التي كانت عليه وأشهره إلخ. وما زال كذلك إلى الآن.

 

وكانت الزاوية التي بنيت على ضريح سيدي السعيدي هي المسجد الوحيد في تلك الناحية من مدينة تطوان وهي قريبة من سور البلد، فصار أهل تلك الحومة يصلون بها ويدفنون بها موتاهم ويجتمعون بها في أوقات الصلاة وفي المواسم الدينية، وصار الضريح مزارة كبيرة وأشهرت لسيدي السعيدي كرامات فجعلت له أحباس وصار الناس وخصوصا النساء والمرضى وأصحاب الحاجات يقصدون ذلك الضريح بالهدايا والنذور، وصار ذلك موردا ماليا للعائلة الحاجية البانية للزاوية والقائمة بشؤونها والمتعهدة لمصالحها وأحباسها والمتمتعة بفتوحاتها، ونظرا لأن  سيدي السعيدي قد اشتهر بأنه هو مولى البلد صار الأفاقيون يتقدمون إلى ضريحه بالزيارة والهدايا ليتقبلهم ضيوفا في بلده، وصار من يرد على تطوان من حج بيت الله الحرام يزور ضريحه أولا ثم يقصد داره بالطبول والغيطات، وربما صحبته الطوائف بأعلامها وأذكارها…. ثم صار ذلك الضريح ملاذا لمن يقع منه أجرام، أو يخشى على نفسه من سطوة الحكام… وهكذا سدلت على الزاوية وضريحها قداسة نماها الخيال حتى كان لها من الشهرة ما كان.

 

 

 
بقلم ذ.محمد الشودري نقلا عن موضوع مقالات في كلمات العدد 81 عن كتاب تاريخ تطوان “للفقيه العلامة المرحوم محمد داود – تطوان” 1379- 1959

القسم الثالث من المجلد الأول من (ص: 322- 324)

 

 
 
 


شاهد أيضا