صناعة الفقر
قال الامام الشعراوي رحمه الله ” اذا رأيت فقيرا في بلاد مسلم فأعلم يقينا أن غنيا أخد حقه”، الفقر أم المصائب ما ظهر منها و ما بطن … الفقر سرطان خبيث ينتشر بسرعة داخل بنية المجتمع ليصيبه بالوهن و الضعف و الهزال، تنهار قيمة القيم في بورصة الانسانية و تسود مكانها النرجسية المفرطة و المادية الجافة كنتيجة للقحط الذي يضرب العلاقات الاجتماعية فيتوج كل هذا باعلان الدخول الى عالم الغابة.
لا ينتشر فيروس الفقر كما يتوهم الناس أو يخيل اليهم على الأصح بسبب شح الأمطار أو تخلفهاعن الموعد، كما أنه ليس قضاء محتوما لا مفر منه .
الفقر تنعشه وتساهم في انتشاره سياسات اقتصادية فاشلة، وحلول ترقيعية غبية تنتج الجهل و الأمية و التخلف و الفساد … الفقر رحم الانتهازية و الظلم و الطغيان و نعش تحمل فوقه أسمى الأخلاق و المبادئ لتدفن بمقبرة النسيان بلا رحمة .
نؤمن أن الفقر من المتلازمات في الحياة كالشر و الخير و الماء و النار، لكن المفارقة التي نعيش هي الفساد و السياسات الفاشلة التي تنتج الفقر عوض محاربته.
الفجوة الواسعة بين الفقراء و الأغنياء…افقار الفقير أكثر و اغناء الغني بلا حدود، لو كان الفقر رجلا لقتله أحد الخلفاء رضي الله عنهم و أراحنا من تداعياته الوخيمة لكنه ليس كذلك للأسف، و قد يظهر الفقر مرتديا رداء عمال مستعبدين داخل الضيعات و الشركات مقابل رغيف خبز بارد كما يمكنه أن يتنكر في لباس القضاء و القدر، لكن ذاك لن يغير من تبعاته شيئا…
يحتاج فيروس الفقر لسياسيين يملكون من المهارة و الشجاعة ما يكفي للنزول الى غرفة عمليات السياسات العامة لانقاذ المريض مع الحذر من المضاعفات، أخرجوا لزيارة المزارع الكبرى لترون مظاهر الاستعباد الحديثة…المشاريع العقارية الضخمة و كيف تشيد على جراح الضعفاء مقابل دراهم معدودة…الفيلات الفخمة المكيفة و أحياء القصدير التي لا تقي حر الصيف و لا قر الشتاء، الموائد الفخمة التي لا يستفيد الفقراء الا من فتاتها المتساقط، أخرجوا لزيارة الفقراء بجحورهم القصديرية ممن أصبح كل أملهم أن لا تغرق براكتهم أو يشملها قرار هدم بدون سابق انذار …أخرجوا لترون كيف يعزم الفقراء غريبهم الى الطعام من غير معرفة مسبقة … كيف يقتسمون معه رغيف خبزهم البارد و ألم الحسرة يعتصر قلوبهم أن لم يجدوا شيئا غيره لتقديمه مرددين عبارة “قبل علينا “… ارحموا فقير قوم لا زال يقاوم من أجل ما تبقى من قيم تعملون كل يوم على هدمها بلا رحمة …
**حسن الخضراوي**
التالي
شاهد أيضا
