إنفراد: تطوان في عهد الحسن الثاني
بقلم : الدكتور عبد الرزاق العاقل -رحمه الله-
(أشكر للسيد باشا مدينة تطوان إتاحته لي فرصة المشاركة في المجلة التي تعتزم الباشوية إصدارها بمناسبة عيد العرش المجيد، الا ان تحديد الموضوع بصفحتين مما لا يمكن تحقيقه اذ الموضوع المعروض يتقضى من كاتبه صفحات لا صفحتين).
ولذلك إن المتصدى للكتابة في موضوع كهذا تعترضه صعوبات لا تكاد تحد ، تحول بينه وبين إنجاز العمل فيه على وجهه الأكمل ، فالوقت المحدد وتحديد الموضوع بصفحتين تتقدم الصعوبات التي تعترض الكاتب فيجد نفسه في موقف لا يترك له مجالا للاختيار ، فليس له أن يوازن ويفاضل فيأخذ ما يأخد ويدع ما يدع، بل عليه أن يخوض المعركة ويشرع في العمل .
ولا أريد أن أتعرض في هذا الموضوع لكتابة تاريخ تطوان لأن هذا ليس مجاله فالمؤرخون من عرب وعجم كفونا مؤونة ذلك والذي يتعرض للكتابة حول تطوان يجد نفسه يتجه تلقائيا الى معالمها ، فمعالم المدينة تستهوى الكاتب وتشل فيه حركة الاختيار، وتطوان تحتضن عدة معالم ، منها وفي مقدمتها المكتبة العامة الواقعة في شارع محمد الخامس والمطلة على ساحة مولاي المهدي ، ويؤم المكتبة العامة بتطوان يوميا بطريقة آلية طوابير من المواطنين من مختلف الاعمار ومن مستويات ثقافية متفاوتة، فهي ملتقى الباحثين والدارسين ، ولا عجب فذلك شان أهل تطوان من قديم .
ومن قديم كانت تطوان مصدر إشعاع ثقافي ولا تزال ، والمكتبة غنية بما تحتضنه من تراث ثقافي و بين جدرانها المتبلورة آلاف المجلدات بين مخطوط ومطبوع ، وإذا ما تركنا المكتبة وسرنا وسط المدينة القديمة وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام صومعة الجامع الكبير التي تعد في مقدمة معالم المدينة إذ يشاهدها الوافد عليها تقريبا من كل الجهات والجامع الكبير علاوة على أنه تؤدى فيه الشعائر الدينية كان يعتبر ملتقى تتخذ فيه المقررات السياسية ضد الاستعمار، وكم من مظاهرات كانت صحن الجامع الكبير منطلقها الأول، وهكذا فقصبة تطوان الرابضة فوق جبل درسة والمطلة على المدينة كلها، ومتاحفها المنبثة في كل أنحاء المدينة والتي يحج إليها الآلاف من أهل تطوان وغيرهم، كل ذلك يشهد بما تزخر به هذه المدينة من معالم ثقافية وحضارية وأثرية، وعلى كل تطوان تعتبر لوحة فنية ساحرة ابدعتها يد القدر فكانت ولا تزال تخلب لب كل من زارها ،وهذه بعض معالم تطوان باختصار :
أما الجزء الثاني من الموضوع فهو الخاص بالمنجزات في عهد الحسن الثاني بتطوان والحديث على ما أنجز أو في طريق الإنجاز مما يتعذر استيعاب الحديث أيضا عنه في هذه المعالجة ، ولذلك سأقتصر على جانبين مهمين جدا.
الأول: جانب الثقافة والعلم .
فالعلم لا يجهل فضله أحد إذ أن رقي الأمم وعلو شانها يقاس بتقدمها في العلوم والمعارف في شتى طرق الحياة البشرية . وان اوجب ما تعنى به الشعوب هو ما يرفع من مستوى تفكير الفرد والجماعة .
ولما كان أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله عقل المغرب اليقظ وتاجه الذي يعتز به ويفتديه بمهجه وأرواحه.
ولما كان نعم الملك المسلم الصالح العادل بالكتاب والسنة في خبر أمة مسلمة ، وكان أعرف من يعرف أن الشعوب لا يمكن تقدمها أو رقيها إلا عن طريق العلم، أحب أن يكون شعبه من الشعوب التي تواكب ركب الحضارة العلمية .
ولهذا الغرض كان لجلالة الملك في هذا الميدان عدة منجزات ، منها التعليم بجميع مراحله وأنواعه ، وفي المقدمة التعليم الأصيل الذي اولاه امير المؤمنين عناية خاصة فاصدر أمره العالي بالله ببناء ثانويات تابعة لهذا الفرع من التعليم ، وومنها اصول الدين بتطوان التي تتوفر على قسم الإجازة كاملا الى جانب قسم الدراسات العليا (الدبلوم والدكتوراه) في فروع الفلسفة والتشريع والمذاهب العقائدية .
والفكرة التي بنى عليها أمير المؤمنين الحسن الثاني العالم اهتمامه بالتعليم الأصيل بشتى فروعه وإدراكه العميق بأن العلم في تطور وأن الفكر الإنساني في تحول وان العالم كل يوم بل وفي كل ساعة في استقبال جديد للنظريات والعمليات والمذاهب العقلية والاجتماعية، فما كان يشغل بال الماضين لا ينبغي أن يكون كله شغلا لنا بغثه وسيئه .
ولكن علينا ان نختار ونغربل ونصفي ونعنى عناية كاملة جادة بما ينفع ولا يضر ونضرب صفحا عما يضر ولا ينفع، بهذا وحده نستطيع أن نتطلع الى آفاق من العلم جديدة احتكرها الناس في الغرب دوننا وأفادوا منها سيادة وقوة ومنعة وعزة حيث غبنا نحن ، هذا ما يريده جلالة الملك من التعليم الأصيل ومن كلية أصول الدين بالذات ويجب علينا ان نسير حسب التخطيط الذي رسمه لنا امير المؤمنين الحسن الثاني ونخوض معركة العلم كما أرادها لنا نصره الله وكما يريدها القران الكريم لنا كامة مسلمة بحيث نجد القران الكريم يوحى الى المؤمنين ان يطلبوه ويحرصوا على التجديد فيه ، وألا يكونوا أسرى تقليد وسجناء جمود ، فأمير المؤمنين يريد من علماء المغرب كافة ألا يصرفوا وقتهم فيما لا طائل تحته ويبتعدوا قليلا عن دراسة (اللاأدرية) الذين يشكون في أنفسهم ثم يشكون في شكهم ، بينما المذاهب الحديثة الدخيلة التي ترمى الى النيل من الاسلام تملا علينا أقطار الأرض الآن. ولا نجد من يرد عادبها ولا من يرشد غاويها ، ففي هذا فليتنافس المتنافسون .
وهناك دار الفكر والحضارة التي أرسى حجرها الأساسي من نحو سنة ، ومن خلال هذا العنوان نصل مباشرة الى الهدف الذي يرمى اليه جلالة الملك الحسن الثاني من الخلق والتجديد في دنيا الفكر والحضارة ، هذا والأيادي البيضاء التي لأمير المؤمنين على العلم والثقافة في تطوان وغير تطوان مما يتعذر استيعابه في هذه المقال القصير ولنكتفي بهذا القدر فيما يخص ميدان الثقافة بتطوان في عهد الحسن الثاني .
الثاني: جانب الدين.
وقد حظى الميدان الديني بدوره باهتمام كبير من لدن أمير المؤمنين . فكم من كتاتيب قرآنية انشئت في عهد الحسن الثاني بتطوان للمحافظة على القرآن الكريم ، ومسجد الحسن الثاني الذي يقع في شارع محمد الخامس ذلك المسجد الفسيح الذي يسع لآلاف المصلين شاهد على شدة اهتمامه بهذا الجانب الهام .
أما في الميدان الاجتماعي فنجد في المقدمة وأهم ما أنجز في عهد الحسن الثاني مجمع الصناعة التقليدية الذي يربض عند مدخل تطوان من الجهة الشرقية ويعتبر هذه المجمع مدرسة فنية في ميدان الصناعة التقليدية بكل معنى هذه الكلمة كما يعتبر المجمع ملتقى للمثقفين من كل أنحاء المملكة . وضمن المنجزات في الميدان الاجتماعي نجد أعجوبة تطوان (النافورة) التي تعتبر من النافورات الفنية في العالم ونجد اهالي تطوان يتجهون ناحيتها زرافات ووحدانا ليستمعوا الى تلك الألحان العذبة التي تصدر عن النافورة في شكل انسجامي مع الماء المتدفق الى عنان السماء في ألوان مختلفة .
وتعلق شعب تطوان والشعب المغربي قاطبة بالعرش العلوى المجيد لا يحتاج الى إقامة دليل ، فأهل تطوان لا يتركون مناسبة تمر إلا وعبروا فيها عن مدى تعلقهم بالعرش العلوي والجالس عليه أمير المؤمنين الحسن الثاني حفظه الله ، ولا أغالى إذا قلت أن أهل تطوان يعتبرون ولاءهم للعرش وللجالس عليه واجبا مقدسا ، فهم لذلك يحافظون علية ويمتسكون به تمسكهم بشعائرهم ولا غرو فأمير المؤمنين الحسن الثاني تربع على عرش قلوب شعبه لا في تطوان وحدها بل في مجموع المملكة .
حفظ الله امير المؤمنين واقر عينه بولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد وصنوه المولى رشيد وسائر الأمراء والأميرات من أفراد عائلته الكريمة .
الموضوع مقتطف من كتاب تطوان -أنظر الصورة-
