اللغة العربية وهوية الأمة العربية - بريس تطوان

اللغة العربية وهوية الأمة العربية

اللغة العربية وهوية الأمة العربية
 
        في هذه المرحلة التي تواجه فيها هذه الأمة أخطر الهجمات العسكرية والثقافية التدميرية الشاملة، لاحتلال الأوطان وتدمير الثقافة وهدم المقاومة وتعرية الإنسان والبنيان، لابد أن تتطلع الأمة إلى حصونها  من الداخل ومن أعظمها الثقافة والجامعة والمدرسة لتقوم برسالتها في بناء جيل يحسن المقاومة ويحسن فهم لغته وتاريخه ويحسن الانتماء لهوية أمته ويقاوم مخططات التغريب والتذويب ويتحصن بالوعي العربي الإسلامي المقاوم المنتمي.
واللغة العربية تتميز بأنها لغة الكتاب كما أنها لغة الخطاب والتواصل بين أبناء الأمة العربية الواحدة، من محيطها إلى خليجها ولغة التواصل الحضاري بين الأمة العربية والأمة الإسلامية التي حملت إليهم الإسلام وجعلت للعرب مكانة الأستاذية بين الشعوب الإسلامية كما أنها لغة التواصل التي حملت تراثنا العلمي ولغة العلم والأدب والكنوز العلمية والأدبية. وقد وجهنا القرآن العظيم إلى مكانة اللغة العربية التي اختارها الله لكتابه تعالى (إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون) (وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) الشعراء 192-195.

فهوية كل أمة مرتبطة بثقافتها، وثقافتها مرتبطة بسلوكها في الحياة، والسلوك في الحياة مرتبط بما تمليه عقيدة الأمة ونظرتها إلى الكون والإنسان والحياة، فهي أكثر من كونها نظرية في المعرفة، والثقافة هي المعارف المرتبطة بالإنسان كونه فرداً أو بوصفه عضواً في جماعة، وبذلك تتميز عن المعرفة العلمية أو العلم التجريبي، الذي يتعامل مع الكون أو الطبيعة، فالثقافة يمكن اعتبارها نظرية في السلوك أكثر من كونها نظرية في المعرفة.
ومع إيماننا الراسخ بإن اللغة العربية، مهما واجهت من أخطار وتحديات خارجية عاتية وداخلية منهزمة باقية ببقاء القرآن الكريم “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” الذي أنزله الله تعالى بلسان عربي مبين “إنا أنزلناه قرآنا عربياً”، إلا أن اللغة العربية اليوم تتعرض لأخطار عاتية كما لم تتعرض لها من قبل:
–               وأول هذه الأخطار، دفع اللغات الأجنبية لها عن مواقع السيادة في التعليم الجامعي والبحث العلمي.
–     وثانيها: الاتجاه نحو خصخصة  التعليم الجامعي والعام والغزو الأجنبي لهذا الميدان، واستخدام اللغة الأجنبية في تدريس كثير من الموضوعات العلمية والاجتماعية، حتى نزل ذلك إلى مستوى التعليم العام في عدد من الأقطار العربية والإسلامية.
–               وثالثها: استخدام اللغة الأجنبية في اللافتات وأسماء المحال التجارية حتى على مستوى  الدكاكين الصغيرة.
–     ورابعها: توجيه الاهتمام إلى اللهجات العامية وإحلالها في وسائل الإعلام ولا سيما الإذاعة والتلفاز محل اللغة  العربية الفصيحة.
       فمن خلال هذه الأخطار يتبين لنا أن أمتنا في هذه المرحلة تواجه من التحديات ما لا يمكن التهوين من أمره، وإن تدمير الثقافة واللغة من أسباب تمزيق الأمة الذي يسعى إليه المستعمر منذ مطلع القرن الماضي إلى هذا القرن بإثارة أسباب القطيعة السياسية والثقافية والمذهبية والطائفية والمعرفية واللغوية بين أقطار الأمة الواحدة وإبعاد اللغة الموحدة، والثقافة الموحدة، أدباً وفكراً وخلقاً وعقيدة، وهوية عن الساحة، وما يجري في العراق ولبنان وفلسطين وغيرها من وطننا العربي خير شاهد على ذلك.
فقد أسهم الانتشار غير المحدود للمدارس والجامعات الغربية في السنوات الأخيرة في إلقاء حجر في البركة الآسنة، فمنذ عقد واحد فقط كانت الجامعات الأمريكية في كل من القاهرة وبيروت هي الوحيدة، إلا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 أدخلت إلى الميدان أكثر من خمس جامعات من المغرب وانتهاء بلبنان…الخ.
وما يزيد من خطورة هذه الجامعات أنها تتمتع باستقلالية شبه تامة فيما يخص نظمها الداخلية ومناهجها وتعيين هيئات تدريسها، ولا يسمح لوزارات التعليم في  الدول الموجودة بها إلا بإشراف شكلي على أنظمتها، فالجامعات الأجنبية في بلاد العالم الإسلامي ما هي إلا مؤسسات تابعة لأجهزة المخابرات الغربية، وخصوصاً الأمريكية التي لا تريد فرض سيطرتها العسكرية فقط، ولكنها تريد تغيير منظومة تفكير شعوب هذه المنطقة، وأسلوب تعليمها لا سيما التعليم  الديني، ودفعها إلى قبول نماذج التفكير الغربي قبولاً عاماً بكل آثاره وأفكاره وتداعياته.
حيث أن هذه الجامعات نجحت في اختراق دولنا الإسلامية أمنياً وسياسياً، فأغلبية النخب الحاكمة، تخرجت من رحم هذه الجامعات التي تكرس مبادئ العلمانية والتغريب.. وأمنياً باستغلال هذه الجماعات في عمل بحوث واستفتاءات علمية المظهر،  ولكن هدفها أمني لمعرفة أدق التفاصيل في شؤون المنطقة وشعوبها، وتواصل هذه المؤسسات جهودها لمحو هوية الأمة تماماً، ومحو الثقافة الوطنية والدينية، وفرض النموذج الغربي على حياتنا، وتستغل واشنطن وغيرها هذه المؤسسات لتمجيد منظومة القيم  الغربية، ورغم أنها نظم بعيدة عن الفطرة السليمة إلا أنها نجحت في فرضها على الكوادر والعديد من الذين وصلوا إلى أعلى المناصب في عالمنا الإسلامي بعد أن انفصلوا تماماً عن هويتهم العربية والإسلامية.
 
بريس تطوان

 

 

 

 


شاهد أيضا