تطور مهنة المحاماة - المغرب نموذجا- بريس تطوان

تطور مهنة المحاماة – المغرب نموذجا-

مما لا شك  فيه أن مهنة المحاماة لها جذور راسخة في التاريخ ومرت عليها عبر قرون طويلة ما لا يحصى من  المحن والمعارك والكفاح المرير إلى أن أصبحت واضحة المعالم ومتميزة المكاسب ومعترف لها بالدور العظيم الذي تؤديه في خدمة العدالة،وقد كان الإنسان قبل التنظيمات الاجتماعية الأولى يدافع عن نفسه بوسائل وطرق عديدة تبعا للظروف والأوضاع التي كان يوجد فيها والاعتداءات التي يتعرض لها .ولقد ظل دفاعه عن نفسه ومكاسبه مبنيا على القوة في غالب الأحيان إلى أن تهذب في ظل الأعراف والتقاليد فاتخذ صورا أخرى أهمها الدفاع بواسطة الكلام والاحتكام للغير.                                                             

ولما تفرعت الحقوق وظهرت لها تفصيلات وتجزئات عديدة ومتشابكة نتيجة تطور الحياة وتعقيدها المستمر، صار من الصعب على الأفراد الدفاع بأنفسهم عن حقوقهم وإظهار مشروعيتها وفرضها فكانت الحاجة إلى الغير لبيان تلك الحقوق وإظهارها وتأكيدها عن طريق إثباتها . وهكذا ظهرت فئة من الناس لها إلمام واسع بالمبادئ الفكرية والحقوقية وذات قدرة على الدفاع عن الحقوق والمصالح،و متى تولى الغير الدفاع عن الحقوق كان المحامي وبالتالي مهنة المحاماة فاعترفت مختلف الحضارات البشرية بأهمية وحيوية هذه المهنة وبمبدأ حريتها واستقلالها واعتبارها وسيلة أساسية للتوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي ودعامة جذرية لكل مجتمع يتوق إلى التحرر والاستقرار، و بالتالي كانت مهنة المحاماة أكثر المهن فرضا للتقاليد ونيلا لاحترام الحكام والمحكومين على السواء منذ أن ظهرت  وقد دخلت تقاليدها العريقة سجل التاريخ وتولت الدفاع عن المواطن وضمان حقوقه ،وقد اكتسبت هذا الاحترام في ظل مختلف الحضارات وفي ظل مختلف الأنظمة السياسية لنبل رسالتها وخطورة مسؤوليتها.                                     
ومما لا شك فيه أيضا أن دفاع الإنسان المجرد من كل معرفة وسلاح كان طبيعيا وفطريا، حيث كان يحتمي في المغارات والكهوف من الأعاصير تارة وإيقاد النار ليبعد عنه الحيوانات المفترسة تارة أخرى، كما قد يلجا إلى المواجهة المباشرة لرد العدوان البشري وهذه المواجهة كطريق للدفاع عن النفس من اجل البقاء هي ما يصطلح عليه بالدفاع المادي.                                                                
ولما تجاوزت الجماعات البشرية عهد الإنسان الراعي واستقرت في بقاع الأرض تعارفت وارتضت نظاما للتعايش تحت طائلة الردع والإكراه من طرف سلطة قوية لها الكلمة العليا في فض النزاعات والخصومات، الأمر الذي ساعد على ظهور صور أخرى للدفاع عن النفس أهمها الدفاع بواسطة الكلام أو ما يعرف بالدفاع الجدلي أوالترافعي.                                                                  
وقد يبقى حق الدفاع ولزمن طويل بالرغم من هذا التطور الحاصل فيه معززا بالقوة والعنف إذ كان يصعب على تلك السلطات فرض الرقابة الزجرية التامة على الأشرار من البشر وهو الأمر الذي ظهرت من اجله بعض الديانات التي تفرض رقابتها الغير المرئية على أفعال البشر بواسطة تحريم العدوان على الحقوق والوعيد بجهنم للمعتدين والبحث عن التسامح والتصالح والتآخي بين الأفراد ومقابلة الإساءة بالإحسان والشر بالخير، فساهمت كثيرا في تهذيب الحياة البشرية والتحلي بالأخلاق الحميدة.                                                         
ويمكن القول بان أوج تطور المهنة في الحضارات القديمة كان بصفة خاصة بالاعتراف للفرد بكيان مالي مستقل خصوصا بعد أن أصبح من حقه تملك المال بصورة فردية، مع ما نتج عنه من حقوق والتزامات فردية أتت بدورها إلى إيجاد نوع من المساواة بين الأفراد ولو بصورة نسبية وتدريجية ، وقد نتج عن ذلك ظهور التقاليد الاجتماعية والأعراف التي كانت تسود الجماعات البشرية،وظهرت في شكل قوانين جماعية بدائية وكان من ضمن ما تقره للخصوم في المنازعات القضائية الاعتراف لكل منهم بحرية حق إنابة غيره للمطالبة بحقوقه أو للدفاع عن ماله  أو حريته أو حياته ، وعلى ضوء هذه الأعراف بدأت تظهر أهمية المحاماة في الحياة الجماعية البدائية ودورها في مساعدة العدالة خصوصا بعد أن انتزعت السلطة القضائية من يد الكهنة ورجال الدين بصفة عامة والذين كانوا يحتكرون معرفة القوانين البدائية ،وبفضل بعض الحكماء وأهل العلم والمعرفة عرف الإنسان الحق والعدالة والحرية المستمدة من الأحكام العرقية ومبادئ الأخلاق.   ومع مرور الزمن وتعقد الروابط الاجتماعية بين الأفراد والجماعات و صارت تلك المبادئ والأحكام العرفية جيلا بعد جيل لا تقوى على احتواء كل المشاكل الاجتماعية وإدماجها فكان لابد من تدخل السلطات الحاكمة لتنظيم ما استجد من الأوضاع وخلق مجموعة من القواعد والتمسك بها في إطار الالتزام بالحق وتحقيقه الدفاع عنه وإضفاء صبغة الشرعية الخاصة عليه الأمر الذي أدى إلى تطور ممارسة حق الدفاع،فتخصص أولئك الحكماء للدفاع عن الأفراد وشد أزرهم أمام القضاء، فما كان على السلطة القانونية إلا التدخل لتنظيم مهنة المحاماة ووضع ضوابط امتهانها الأمر الذي كان له الأثر الايجابي في تطورها في عدد من الدول وخاصة في فرنسا التي يعد قانونها المصدر التاريخي للقانون المنظم لمهنة المحاماة في المغرب.                                                                          
والمغرب كغيره من الدول لم يتخلف عن إيجاد الضوابط والقواعد التي بمقتضاها تنشا هذه المؤسسة الحقوقية وتحدد طرق الانتماء إليها، ولذلك يكون لزاما في إطار التطرق لتطور مهنة المحاماة في هذا البحث الحديث عن نشأة وتطور المهنة بصفة عامة وعن نشأتها وتطورها في المغرب بصفة خاصة.
 

بريس تطوان
لتحميل البحث اضغط على الرابط أدناه
 

 
 


شاهد أيضا