ومضات تجديدية.. فقه القلوب - بريس تطوان - أخبار تطوان

ومضات تجديدية.. فقه القلوب

يقول الفقيه العلامة المغربي الفاسي ابن عاشر رحمه الله تعالى في الحبل المتين:

في عقد الأشعري وفقه مالك * وفي طريقة الجنيد السالك .

والمراد بالطريقة هنا ، طريقة السلوك إلى الله تعالى وهي طريق السادة الصوفية ، وفي مقدمتهم طريق أبو القاسم الجنيد الذي تشبثت الأمة الإسلامية بها ، وخصوصا أهل المغرب؛ لأنها أسلم طرق التصوف، والتصوف كما يعلم الجميع ليس في قراءة الكتب المؤلفة فيه، وإنما هو السعي في إصلاح القلب، وتطهيره من الأمراض الخبيثة ، وتهذيب النفس وتفقد عيوبها، وإرجاعها إلى جوهرها وفطرتها الأصلية السليمة، كما قال تعالى: “يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية ..”

ويمكننا أن نلخص أركان طريقة الجنيد رحمه الله بعبارة المجاهدة ومخالفة النفس ، وكبح جماح غوايتها ومعاداة الشيطان الرجيم وعدم الاكتراث لوسوساته.. قال تعالى: “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا..” وجاء في الأثر”لعل أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك” من أجل ذلك سلكت أغلب الأمة الإسلامية طريقة الإمام الجنيد لباعه الطويل في هذا الشأن ، وباعتباره سيد الطائفة ومعلمها وأحد أبرز رجالات التصوف ، ولم يكن رحمه الله صوفيا فحسب ؛ بل كان فقيها وعالما ومحدثا وفيلسوفا ، ولقب “بسيد الطائفة” و”طاووس العلماء”.

وتتصل طريقة الجنيد برسول الله صلى الله عليه وسلم بعدة أسانيد من أشهرها: عن السري السقطي عن داود الطائي عن حبيب العجمي عن الحسن البصري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وللعلماء بالرجال في هذه الأسانيد مقال.. فإذا كان السادة الفقهاء اهتموا عبر التاريخ الإسلامي بفقه النصوص، فإن فقهاء التصوف اهتموا بفقه النصوص والقلوب معا، لأن القلب هو جوهر الإنسان وسلطان الجسد، وعليه تدور جملة من النواهي والأوامر تجعله إن هو امتثل أمر الله قلبا منورا بنوره وأهلا لأن يكون محل نظر الله إليه، وفي هذا المعنى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :”ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألاوهي القلب” .

وإذا علمنا أن الجوارح تتحرك وفق مايمليه عليها القلب ، إذ هو المحرك لها وهي تابعة له ، وعلى هذا الأساس كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أهمية تنقية القلوب وتزكية النفوس فيقول صلى الله عليه وسلم :”إن الله لاينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم “من أجل ذلك فإن الكنز الثمين الذي ينفع الإنسان يوم لقاء ربه هو القلب السليم المملوء بمحبة الله تعالى المعافى من الأحقاد والأمراض والأدران ..قال تعالى: “يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ” . لذا تفوقت مدرسة التصوف الإسلامي على المدارس الفقهية الأخرى لما تحمله من أهمية في ربط الإنسان بربه عبر التزكية المخاطب بها كل مكلف عاقل، يقول تعالى:”قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها..” ولما للتصوف من دور فعال وبارز في تهذيب سلوك المسلم وتربيته على محبة الله ورسوله والناس كافة فقد جعله علماء الإسلام من الفروض العينية على كل مسلم عاقل بالغ وعلى رأسهم الإمام الغزالي رحمه الله حيث قال :” الدخول مع الصوفية فرض عين إذ لايخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام” وروي عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله أنه قال :”من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق” أما الإمام الشافعي فقد ثبت عنه أنه قال:”حبب إلي من دنياكم ثلاث : ترك التكلف وعشرة الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف”.

حتى الإمام أحمد بن حنبل الذي كان له عداء واضح مع الصوفية وكان يمنع ولده من مخالطتهم والجلوس معهم وهذا قبل مصاحبتهم ، وعندما عرف أحوالهم وغزارة علمهم وصدق لسانهم وصفاء قلوبهم قال لولده مرة ثانية: “ياولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة “. إن تركيز التربية الصوفية على محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، والسعي في سبيل عياله ومخلوقاته مع تغليب الإحسان في كل شيء …إن هذه الآفاق المعنوية والسلوكية والأبعاد الروحية التي ترسخها وتركزها التربية الصوفية في تلامذتها، توفر لنا دعامة قوية في عصرنا المادي الهمجي لإعادة النظر في كثير من تصرفاتنا وسلوكاتنا التعصبية سواء للأعراق أو الطوائف أو المذهبيات وتكفير المسلمين وتبديعهم، ويدعونا إلى القبول بالآخر وجودا، بل الاعتقاد في ضرورة وجوده كمظهر من مظاهر الرحمة الإلهية التي تجلت في آيات وحقائق تتيح للإنسان فسحة الحياة بأشكال وأنماط وألوان متعددة في مجاليها ومرائيها، متوحدة في ينبوعها ومصبها. فتعدد أذواق الصوفية ومواجيدهم وخصوصية تجربة كل عارف منهم وتنوع وثراء ما أسفرت عنها تلك التجارب من معارف ومذاقات، مع نهلها من نفس بحار القرآن والسنة النبوية الشريفة كل ذلك يؤكد وسع الفضل الإلهي الذي لا يحجر، ويشهد على رحابة المعرفة الإلهية التي لا حد ولا ساحل لها. قال تعالى في كتابه العزيز: “قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا”.

ونشير في الأخير أن التصوف لايعني الانعزال عن الحياة ، وأن الزهد عند الصوفية هو زهد قلبي ، لايكون فيه للعبد تعلق بغير مولاه جل جلاله ، ومن أجل ترسيخ هذه المبادئ والقيم الخلقية الربانية في نفوس الناس اليوم، لابد لأهل الاختصاص في هذا الفن ولمدراء المدارس الصوفية والزوايا العلمية النهوض من جديد بمهامهم والقيام بدورهم الريادي لإنقاذ الأمة الإسلامية وشبابها من مستنقعات التطرف والتبديع والتكفير والتفجير والإرهاب.. ويبقى الهدف الأساسي من التربية الصوفية في عصرنا الحالي هوبناء شخصية مسلمة متوازنة سوية ، المحبة للسلم والسلام والتعايش بين مخلوقات الله في وئام وانسجام، توازن بين مطالب الدين والدنيا ، وبين عالم الغيب وعالم الشهادة، وعلى هذا الأساس اعتبر كبراء هذا الفن أن التصوف هو لب الدين وجوهره ولحمته، ولهذا من المستحيل أن تسمع عبر المحطات الإعلامية والقنوات الإخبارية الدولية بأن أحد الشباب ينتمي للطرق الصوفية فجر نفسه في قطار أو عمارة أو طائرة أو حافلة ..!!.

 


شاهد أيضا