وظيفة التعليم بين مقام الألوهية والممارسة الإنسانية - بريس تطوان - أخبار تطوان

وظيفة التعليم بين مقام الألوهية والممارسة الإنسانية

بحلول مناسبة اليوم العالمي للمعلم آثرت الوقوف مع طائفة من الآيات التي تفيد في مجموعها أن عملية التعليم وظيفة مارسها الله تعالى بنفسه في مقامات متعددة، فهو المعلم الأول، ثم امتدت آثارها على الإنسانية، ومن ذلك ما يلي:

أولا: تعليمُ الله آدمَ في سياق الاستخلاف، قال تعالى: (وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا)، وقد تضمنت الآية في ثناياها أمورا بديعة، ولطيفة، منها:
1- أن تعليمه تعالى آدمَ كان بلا واسطة من القلم، والكتابة، وامتداد الزمن، وكأن الله تعالى يقول للملائكة: كما خلقته بيدي من العدم، فكذلك أعلمه بعلمي من العدم بلا أداة، ومثل هذا وارد أيضا في قوله تعالى:( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا).
2- أن الاستخلاف الحضاري في الوجود، والارتقاءَ في مقام الشهود قائم على العلم، والتعليم، لذلك جاء في معرض الرد من طرفٍ خفي على رأي الملائكة، حيث ظنوا أن مناط الخلافة هو “التسبيح والتقديس” قائلين: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ)، فجاء قوله تعالى: (وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا) لبيان أن مناط الاستخلاف وأساسَه هو العلم أولا: ٠ثم تحقيق العبودية ثانيا، قال تعالى: (فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ).
3- أن أول شيء وقع به التحدي في سياق الخلافة هو العلم بأسماء المسميات، في إشارة إلى أنها هي المدخل الأول لكل العلوم، وفي ذلك يقول تعالى: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ)، ومن هذا الاعتبار قول العلماء: “العلم بينك وبينه معرفة الاصطلاح”، وفي هذا بيانٌ لمكانة فضل الإنسان على الملائكة، ولا أدلَّ على ذلك من تسخيرها، وسعيِها في خدمته.

ثانيا: تعليمُ الله في مقام النبوة، وقد دل على هذا كثير من الآيات، قال تعالى في حق سيدنا يوسف: (إِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍۢ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ)، وقال في حقه أيضا: (ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ)، وقال
في حق سيدنا لوط: (وَلُوطًا ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)، وقال في حق سيدنا سليمان: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ)، وقال في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم: (وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ ).

ثالثا: تعليمُ الله تعالى في مقام الولاية، ومن دلائل ذلك قوله تعالى في حق سيدنا الخَضِر: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)، فقد أسند الله تعليمَه للخضر لنفسه مباشرةً، وقال في حق الحكيم لقمان: (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَٰنَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ لِلَّهِ ۚ)، والحكمةُ توظيفُ العلم في غاية النفع، زمانا ومكانا، وأشخاصا.

رابعا: تعليم الله الإنسانيةَ كلَّها، دلالةً على أن تعليم الله للكائنات من السنن الكونية في الوجود، قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، وقال أيضا: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يعلم)، ففي هذه الآخيرة قسَّم الله تعالى التعليمَ إلى قسمين، تعليمٌ بالواسطة، وتعليم بدون واسطة.

وختاما أقول: إن كل ما سبق يؤكد أن المعلم الأول هو الله تعالى، قد راعى مقامات المتلقي والمتعلمين، وخاطب الجميع بحسب ما يقتضيه السياق الداخلي والخارجي، ثم سرى ذلك إلى أنبيائه، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاته وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة)، ثم امتد خيط الوصل إلى المعلم الذي يصنع الإنسان، ويبني العمران، وينير الأفكار، ويشحذ الأنظار.
ومن هذا الانتماء النوراني ارتقى المعلم الوارثُ إلى مقامٍ تفاعل معه الكونُ بجميع مخلوقاته محبة وإجلالا، وتوقيرا، ودعاء له، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكتَه، وأهلَ السموات والأرضين، حتى النملةَ في جُحرها وحتى الحوتَ ليصلون على معلم الناسِ الخيرَ)، وكفى بهذا فخرا، وشرفا، فلكل أساتذتي وشيوخي مني تحية إجلال، ووقار.
اللهم اجعلنا من العلماء العاملين، الذاكرين الشاكرين، المتواضعين المخلِصين، ولا تجعل في قلوبنا غلا ولا حقدا لطلبتنا وأبناء المسلمين.


شاهد أيضا