وضع المرأة في المجتمع التطواني من خلال اللباس (3)

ولعل هذه التغيرات راجعة إلى تغير المشهد السياسي بالمغرب، وبروز تنظيمات نسائية كجمعية «أخوات الصفا»، وجمعية نساء (المغرب) التي دعت إلى محاربة التقاليد والعوائد الضارة، كمحاربة المعتقدات الخرافية، مثل التمسح بأضرحة الأولياء. كما دعت إلى الحد من عوائد الإسراف والتمظهر ، لأنها أفقرت الكثير من الأسر، وخربت كثيرا من البيوت وجعلت الفتاة آفة على عائلتها قبل الزواج، وعلى زوجها بعد الزواج. وفي هذا الباب منعت مقررات الجمعية، التحلي ببعض المجوهرات، وبأصناف معينة من الملابس، أثناء الأعراس والحفلات العائلية، وركزت على ضرورة تحديد وتنظيم مدة الأفراح العائلية، بما فيها الأعراس، والختان، وكذا تحديد وتنظيم مدة ،الحداد كما ركزت عن الامتناع عن تقديم الهدايا الباهظة الأثمان». كما أن خطاب ابنة محمد الخامس اللا خديجة» في 1947م بطنجة له دور في تعبئة الجماهير النسائية نحو التحرر من قيد المجتمع.

كانت مسألة التحرر من اللباس الجاري به العمل تتطلب التدرج، فإزالة الحايك وتعويضه بالجلباب لم يكن هينا، في حين ارتدت الفتيات لباسا أوروبيا، وفي هذا الموضوع بالذات، أدرجت حسناء داود ابنة محمد داود رأيا لوالدها في موضوع الحجاب، وهي تحكي: «وقفت يوما صحبة شقيقتي الكبرى السيدة إحسان متهيئتين للخروج إلى الشارع وقد ارتدت شقيقتي جلبابا وقبا ولثاما يستر نصف وجهها، بينما ارتديت أنا لباسا أوروبيا صرفا، دون أي حجاب يستر شعري ولا وجهي وهنا استوقف الوالد رحمه الله شقيقتي قائلا: «أين نظارتك السوداء؟»، فاندهشت وأجابته بكل احترام عجبا يا أبت تطلب مني أن ألبس النظارة السوداء لأحجب عيني، مع العلم أن حسناء ستخرج دون أي نوع من أنواع الحجاب؟ فقال: يا بنيتي الحكمة في هذا الأمر ألا تلفت الفتاة أو السيدة نظر الغرباء ولا كلام الدخلاء، فأنت سيدة متزوجة، وقريناتك ومن في مستواك كُلهن يرتدين الحجاب ويسترن وجوههن وعيونهن، بينما قرينات أختك ومن في سنها، كلهن سافرات مع لباس محتشم معلوم. فلو خرجت أنت إلى الشارع بزيها ومظهرها لاستغرب الناس منك، ولأشاروا إليك بالأصابع، بينما لو ارتدت هي حلتك، لكانت شوهة بين قريناتها، فالغاية إذن هي ألا تلفتن انتباه الناس، ويتبين من هذا الرأي سبب هذه الازدواجية بين نساء يلبسن الحجاب ولثام و غير من سافرات، وهو مسألة العمر والوضعية الاجتماعية بعد الاستقلال، صارت أغلب نساء تطوان تزيل الحجاب وتلبس لباسا أوروبيا، إلا عائلة محافظة اللواتي من عائلات محافظة، وقد أشارت أحد المستجوبات بأنها كانت .

تزوجت من عائلة متفتحة فأزالت الحجاب: تسع سنوات وأنا باللتام، وحين تزوجت جبرت الرومي زولت دجلاب واللتام ولبست القصير وقطعت شعري، لأن الملك محمد الخامس بدا يلبسو بناتو الرومي وتبعوا الكل، والنسا اللي بقاو عاملين اللتام من عائلات محافظة مثلا مرير باباهم فقيه وحتى بلقات والفقاي… » تسع سنوات وأنا أضع اللثام وحين تزوجت أزلت الجلباب ولبست لباسا قصيرا، وقطعت شعري. ولعل هذا اقتداءً ببنات محمد الخامس، اللائي خرجن بلباس أوروبي خلال تلك الفترة، في حين هناك نسوة احتفظن بلثامهن لأنهن من عائلات محافظة جدا. رواية هذه السيدة يمكن تفسيرها بظهور ابنة محمد الخامس الأميرة عائشة بجانب والدها بدون اللباس الجاري به العمل آنذاك وفق العادات والتقاليد، والذي كان له آثار على نساء عائلات الأعيان بتطوان، باستثناء العائلات المحافظة التي حافظت على لباسها.

وقد أشارت الدراسات أن الحماية قد ساعدت على ظهور نوع من التجانس والتسوية على صعيد العلاقات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه أحدثت التفكك في النظام الاجتماعي التقليدي، وبالتالي أحدثت اضطرابا في شخصية البلاد وهويتها الثقافية. لكن لم يبرز هذا الاضطراب بكل وضوح إلا في الوقت الذي حصل فيه المغرب على استقلاله السياسي سنة 1956م ، فأزالت النساء النقاب وأزال الرجال الجلباب، وتم تعويضهم باللباس الأوربي، واحتفظت النساء ببعض العادات، لكن مع تكييفها مع المستجدات المعاصرة في التسعينيات ومع ظهور الحركات الإسلامية، التي ركزت على الهوية الإسلامية تم الرجوع بالتدريج للحجاب وإلى بعض التقاليد التي كانت قبل الحماية.

عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي

الكاتب: كتاب جماعي

الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)

بريس تطوان

يتبع…


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.