وقد كان يمكن تمييز انتماء المرأة من نوع حايكها ونوع ملابسها، إذ كان الحجاب يختلف حسب الانتماء التراتبي للمجتمع والانتماء للمجال كما شرح ذلك محمد داود أي أن:
• نساء الطبقة العليا: كن يضعن الحجاب الكثيف على وجههن حتى لا يرى منه إلا عيونهن، وكانت الواحدة منهن تعد أنه من العار أن ينظر إلى وجهها رجل غريب من غير أهلها المحارم.
• نساء الطبقة الوسطى: كن يقلدن نساء الطبقة العليا في التحجب. وتشير حسناء داود) أن جل نساء هذه الطبقة، كن يبتعدن كل الابتعاد عن أن يرى وجههن أي رجل أجنبي عنهن، ما عدا أشخاص يرون أنهم لا قيمة لهم، وأن قيمتهم أدنى من أن يتحجب عنهم، وهم اليهودي الذي يطوف على أبواب الدور لبيع سلعة أو يشتري الفضلات، والطراح، أي خادم الفرن الذي ينقل الخبز من الدار والفرن، والزبال الذي يكنس الأزقة من الأزبال.
• نساء الطبقة السفلى: ومنها الإماء، أي الخادمات السود، فكن جلهن يفضلن السير في المدينة بدون حجاب. وربما كان تحجب الأمة في تطوان مما يتعجب منه، حتى كان من بين أمثال العامة في تطوان قولهم: «الخادم باللثام والحمارة باللجام»، أي أن ذلك مما يستغرب منه، إذ أن اللجام خاص بخيار الدواب كالخيل والبغال، لا بالحمير.
• نساء البوادي: لا يتحجبن في قبائلهن، فإذا دخلن المدينة، وضعن على وجوههن حجابا كحجاب نسائها.
وضح محمد دواد أن عادات الحجاب، لم ترتبط بسن النساء ولا بجمالهن، ولا بمسألة الفتنة أو التمتع، وقد أورد حالات نساء كن في عمر جدته، لم يسمحن لرجل بالنظر لوجوههن حتى لو كان بعمر حفيدهن.
كما نقل لنا الأرجنتيني روبيرطو أرلت شهادات من خلال رحلته إلى مدينتي طنجة وتطوان، بأن المرأة المسلمة في المغرب إلى حدود زيارته في 1935م- تتمتع بحرية الطفولة إلى حدود سن التاسعة تجري حياتها مثل حياة طبيعية لطفلة أوربية، يُسمح لها بالاجتماع واللعب مع الأولاد. وهن قليلات يذهبن إلى المدرسة العربية الفرنسية.
لكن ما أن تبلغ سن العاشرة حتى تغلق في وجهها الأبواب المؤدية إلى خارج المنزل بالمفتاح. لا يسمح لها بالخروج بعد ذلك، ولا يمكن لأي رجل أن يرى وجهها، بل تختفي حتى عن أنظار النساء اللاتي يزرن بيت والديها مخافة وشاية تأتي من الجيران تذم جمال الفتاة مما يعرقل إمكانية عثورها على زوج في المستقبل. وقد استطاع في الفترة التي مكنها في تطوان تمييز العازبات عن غيرهن من خلال لباس أرجلهن، لقوله: «كنت أميز كل الفتيات العازبات اللاتي يقطن في حي المورو، من خلال شرابيلهن المرصعة بالذهب والفضة وعدد الأساور التي يضعنها في الأيدي، ومن خلال ما إذا كن متسعات كتنورات أو ضيقات كثعابين معقودة، لقد كنت أتعرف عليهن من خلال الوشم الذي يتوسط الحاجبين، والذي يكون على شكل نجمة، أو شمس أو قمر. كما أعرفهن من خلال شكل العيون، والحزن الذي يظهر على المحيى ، ومن خلال طول الأزرار تحت الحايك».
ويبدو من خلال هذا الوصف بأن عالم النساء تحكمه العادات والتقاليد، عالم صامت مجهول، لا تعرف عنه شيئا، إلا عن حالات نساء استثنائيات برزن في المجتمع التطواني التي لا يقاس عليها. إن المجتمع التطواني إلى مطلع القرن العشرين، مجتمع محافظ تحكمه الذهنية الفقهية التي تسعى للمجتمع المثال (مجتمع النبي وصحابته)، وقد أثرت هذه الذهنية على الهندسة المعمارية، فانعكس ذلك على طريقة بناء البيت التقليدي، المنفتح من داخله بنوافذه وشرفاته، التي تطل على الفناء أو الرياض، والمنغلق من خارجه والمتوفر على مدخل يفصله باب عن وسط المنزل، مما ينم على محافظة الأسرة التطوانية على حرماتها وتشبثها بالتقاليد والعادات. وهذا النمط الهندسي عرفته مساكن باقي المغاربة في الفترة نفسها، إذ تجدها منغلقة على الخارج مفتوحة على الداخل. فكانت الجدران تحمي المرأة من الأنظار وهي داخل البيت، كما كان الحائك والحجاب يستر جسمها وهي خارجة».
وحسب الرواية الشفوية، فقد عرف المشهد الاجتماعي في الأربعينيات تغيرا من حيث نمط لباس النساء حيث لبسن عوض الحايك، الجلباب بالنقاب واللثام الذي لم يكن لتقبله الذهنية السلفية السائدة آنذاك في المجتمع التطواني، وحاولت التصدي له، لكن بحكم أن التغيير جاء من نساء الأعيان، فلم يكن بمقدور أحد التجرؤ على فعل خطوة تصعيدية.
عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي
الكاتب: كتاب جماعي
الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)
بريس تطوان
يتبع…
