وصف بليونش في زمن العزفين والمرينيين -3- بريس تطوان - أخبار تطوان

وصف بليونش في زمن العزفين والمرينيين -3-

بريس تطوان

وقال الأنصاري (-بعد 825/-1421م)، وهو أوسع ما وصلنا عن بليونش:

«ولنذكر الآن ما جمعته قرية بليونش المشهورة في الآفاق، التي أربت على القرى وفاقت شعب بوان من أقصى العراق. فعدد العيون والأنهار التي ها ستة وثمانون، أرفعها قدرا وأشهرها في النفع ذكرا أمزار. وعدد الحمامات بالأربعة المبرزة للناس مائة وستة وعشرون حماما، منها خمسة وعشرون بخندق رحمة، بالقرية المتصلة بها المنسحب عليها ذيل حرمتها في رفع الوظيف والتحرير من المغرم.

وعدد الأرحي الطاحنة بمياه تلك الأنهار خمسون، وعدد بيوتها تسعة وثلاثون، منها أحد عشر بيتا في كل بيت رحيان ثنتان فجاء من ذلك العدد المذكور. وعدد المنازل خمسة وعشرون، أشرفها المنزل المعروف بمقبرة الشيوخ المحتوي على الجنات والبساتين النبيهة القدر الملوكية.

وعدد المساجد تسعة عشر، أربعة بخندق رحمة المذكور وباقي العدد بالقرية. ومن جملتها المسجد الذي تجمع فيه صلاة الجمعة، بلاطات هذا الجامع ثلاثة، وله صحنان اثنان ومنبره حسن الصنعة، ومراقيه ستة، وتاريخ بنائه منقوش في لوح من الرخام الأبيض بازاء بابه الشرقي، وجرية نهر عنصر اللوز وهو من الأنهار المعدودة في أنهار القرية إلى جانب الجامع مما يلي قبلته.

وعدد الحوانيت خمسة وعشرون حانوتا ويذكر أنها كانت أكثر من هذا العدد والله أعلم. وعدد الأفران ستة عشر فرنا مفترقة في أزقة المنازل. وليس بها من الفنادق إلا فندقواحد بساحل القطارة خارج السور هناك، وإليه تنتهي جرية نهر أمزار المذكور ثم يفترق  ذات اليمين وذات الشمال.

وبالقرية مصانع ملوكية وأبراج هائلة أبوابها مصفحة بالحديد، بها قبات وطيافر رخامية ومحنشات وصهاريج ومياه خلال ذلك تطرد. ومن أعظم ذلك وأهوله برجالسويحلة المشهور الغريب الشكل والنظير، في أعلاه قصر يصعد الماء إليه بالحيل الهندسية حتى يعمه. ومسالكها وطرقها تحت أسوار وأبراج وأبواب، منها بجهة البحر أربعة أبواب، وللبر باب ومسلكان، أحد المسلكين بين الجبلين، والآخر على العين الحمراء لا بناء عليهما لمنعتهما.

والقرية في كثرة الفواكه الصيفية والخريفية واختلاف أصنافها وتعدد أرهاطها وأنواعها بحيث توسق منها الأجفان وتسافر إلى المغرب وبلاد الأندلس. فمن الخريفية؛ العنب انتهى إلى خمسة وستين بين رهط ونوع. التين انتهى إلى ثمانية وعشرين نوعا، التفاح انتهى إلى خمسة عشر نوعا، الخوخ أنواعه ستة. السفرجل أنواعه أربعة. المشتهى نوع واحد وليس بالمغرب منها شيء. العناب نوعان. الرمان انتهى إلى ستة عشر نوعا. اللوز أنواعه أربعة أحدها المر، وفي اتخاذ العصي من خشبة خواص. الجوز أنواعه بهذه القرية البليونشية وبغيرها من قرى سبتة تسعة أنواع، وهو من الغلات العظيمة الفائدة. الجلوز نوع واحد والموجود منه في حيز الغلة الشاه بلوط وهو القسطل، هذا الصنف أخو الجوز في عظم الفائدة وكثرته، وهو في سائر القرى أكثر من أن يوصف أو ينتهي فيه إلى غاية، وأنواعه متعددة، أعرف منها ثمانية عشر نوعا لكثرته بأملاكنا من قريتنا بزبج. الزيتون أنواعه ثلاثة وليس بالكثير. الخروب نوعان طيب ورديء. الصنوبر أنواعه ثلاثة وربما ترجع إلى نوعين. النخل موجود وليس بصالح في هذه الأوطان الجوفية.

ومن الصيفية: المشماش انتهى إلى سبعة عشر نوعا وهو أقصى ما يوجد في هذا الصنف. عيون البقر انتهت إلى أربعة عشر نوعا. الأجاص ونعني به الكمثرى انتهى إلى ستة وثلاثين ما بين رهط ونوع. التوت نوعان أسود وأبيض والأبيض قليل، ولا يوجد بسبتة ولا بنظرها إلا بالرياض المتصل بمترل الأمير أبي طالب العزفي من داخل المدينة دون غيره. باكر التين وهو الباكور عند الناس، وأنواع التين قد تقدمت. القراسيا وهو حب الملوك أنواعه ثلاثة وهو قليل ولا اعتناء لأهل سبتة بغرسه إذ عندهم ما هو أعظم فائدة منه.

ومما يجيء في فصل الشتاء: الترنج وهو نوعان حلو وحامض، فالحلو كثير هذه القرية وبغيرها، والحامض غير موجود بسبتة وليس بحوزها منه إلا شيء يسير بأرض بحكسة، وفيه خاصية تحل الجوهر وتصيره كالمني. ومن الحوامض الليم وفيه نوعان ويحمل بطنين. الليمون نوع مفرد. النارنج أنواع. الزنبوع نوع واحد. وكل ذلك كثير موجود بالقرية وبسواها من القرى ذات الأودية والألمار. وقصب السكر خاص بقرية بليونش وفيه أنواع ثلاثة. والموز كثير بداخل المدينة ولا يختص بفصل.

ومن المشمومات: الريحان ثلاثة أنواع مشرقي وصعتري وجبلي. الياسمين نوع مفرد. النسرين كذلك. الخيري خمسة أنواع، البهار نوعان. السوسان نوع واحد. الورد ثلاثة أنواع. النوار القرنفلي نوعان. البنفسج نوعان. النعنع نوعان. الترنجان نوع واحد. المرددوش نوع واحد. زهر النارنج كذلك. والقرية مرتفعة محجوبة من جانب الجنوب بالجبال مفتوحة للبحر تهب عليها منه ريح الشمال، قد وافقت قول الأطباء في طيب الهواء والماء والاعتدال.

هذا وبالقطر قرى متعددة عظيمة الخصب جمة الفائد، المشهور منها بالغلة الخريفية وإن كان جميع ما تقدم ذكره من الأصناف والأنواع موجودا فيها، قرية أبي قورس وقرية أويات وقرية بني مصالة ووادي عين القشر ووادي عليان ووادي فرايم وما أشبه ذلك من القرى الوادية، والمشهورة بالغلة الصيفية المتناهية في الكثرة قريتنا البزنجية وشبهها من قرى الساحل، والأرحى الطاحنة بهذه القرى لمدينة ثلاث وأربعون رحى، منها بقرية أويات اثنتان وعشرون رحى، وبقرية بني مصالة اثنتا عشرة، وبوادي عليان رحى واحدة، وبمرسى موسى القرية المشهورة بكثرة التين الطيب النادر في رقة القشر ولذاذة المطعم وتخير النوع سبع أرحي على نهرها العظيم الجرية، ومن هناك اجتاز موسى ابن نصير. وبوادي المقصرة من القرية البزنجية واحدة.

ولا يليق بالاختصار أن نطول بذكر المحارث والمزارع والمجاشر والعمائر المتصلة من هذه القرى إلى أقصى الريف شرقا وإلى قصر كتامة أول بلاد الهبط غربا، وما بها هنالك من المواشي والسمن والعسل والشمع والفواكه أخضرها ويابسها وما يتخلل تلك الأماكن من الأودية والنهار وضروب الشجر وشعاري الأرز والبلوط والطحش والبقس وما أشبهه من مكارم الخشب وأنواعه ومعادن الحديد والقار، وسوى ذلك مما يعود نفعه على الثغر ويستعان به على الإنشاء وما يرجع إلى الأمور الجهادية، وكل ذلك في حوزه وراجع إليه وقل أن يوجد هذا مجتمعا في قطر سواه.

فانظر ما كان عليه هذا الثغر الشامخ وما أصيب به المسلمون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والله أسأل أن يمن بارتجاعه ويعيده كما كان، ويمكن من نحور أعدائه الذابل والسنان، بمنه وفضله وكرمه وطوله، إنه منعم منان.

انتهى الغرض المقصود والحمد لله مقرب كل نازح ومنيل كل مرغوب ومسؤول، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي المصطفى الرسول، وعلى آله وصحابته ما اختلف الإشراق والأفول.

وفرغ الذي ألفه من جمعه ونظمه ضحى يوم الاثنين غرة شهر ربيع الأول المبارك من عام خمسة وعشرين وثمانمائة». ولقد خلد الأنصاري من خلال كتابه صورة ما كان عليه عمران بليونش في أيامه سواء منه ما لازال قائما آنذاك، أو ما آل منه إلى وضعية الخراب؛ كما أسهب في جرد كل معالم عمران بليونش، وأفاض في وصف جمال هذا العمران، وبديع فنونه. وهذا الوصف الدقيق الرائع يوثق لنا ما انتهت إليه بليونش من التألق في فنون العمارة والحضارة والتفنن في تقنيات الفلاحة والمنتوجات الزراعية، مما يقضي الواحد العجب في كثرته ووفرته وغناه. ولا عجب في ذلك، فقد كانت سبتة عند احتلالها من أكثر المدن نشاطا ورقيا سواء من الناحية الاجتماعية والثقافية أو من حيث الاقتصاد والسياسة أو على مستوى المؤسسات.

ويجمع مؤرخو سبتة على أن بساتين بليونش التي نشاهدها اليوم قليل من كثير جدا من بساتين بليونش الغابرة، وأنه كان يجتمع فيها من أنواع الغراس ما لم يشاهد مثله في أي بستان من بساتين المغرب لا في القديم ولا في الحديث. ولم يبق ببليونش قصب سكر ولا أترج ولا فواكه إلا بعض أشجار ملتصقة في أجراف وأحجار.

الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”

للمؤلف: د. عدنان أجانة

منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا