بريس تطوان
أعادت واقعة منع صحافيين من نقل مجريات الأحداث التي شهدتها مدينة الفنيدق، إلى الواجهة، النقاش حول حدود تدخل السلطات العمومية في عمل الصحافة، والضوابط القانونية التي تؤطر العلاقة بين ممثلي السلطة ووسائل الإعلام، خصوصا في سياقات أمنية واجتماعية مشحونة.
وتعود تفاصيل الواقعة، وفق ما أورده الإذاعي بإذاعة تطوان الجهوية عبد الحميد العزوزي في تدوينة نشرها بهذا الخصوص، إلى قيام صحافيين بتغطية ما كان يجري بمعبر سبتة، من خلال بث مباشر مصحوب بتعليق، قبل أن يتدخل باشا المدينة، بحسب الرواية ذاتها، لمنعهم وسحب معدات البث.
ويرى العزوزي أن هذه الواقعة تطرح سؤالا أساسيا يتعلق بالحدود الفاصلة بين الصلاحيات المخولة لممثلي السلطة الإدارية، وبين الحق في ممارسة العمل الصحافي، معتبرا أن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين الطرفين، بقدر ما يستدعي استحضار النصوص القانونية المنظمة لكل مجال.
ويشير العزوزي إلى أن الباشا لا يمثل السلطة الإدارية فقط، بل يضطلع كذلك بمهام مرتبطة بالشرطة القضائية، ما يجعل أي تدخل منه خاضعا للضوابط القانونية التي تؤطر هذه الصفة.
وبحسب قراءته، فإن التدخل التحفظي ينبغي أن يستند إلى وجود مخالفة ملموسة أو خطر فعلي، وليس إلى مجرد افتراضات، موضحا أن من حق ممثل السلطة، عند الاقتضاء، التحقق من الوثائق التي تثبت قانونية ممارسة النشاط الصحافي والتصوير في الفضاءات العمومية.
ويضيف أن الوضع كان سيختلف قانونيا في حال عدم توفر الفريق الصحافي على الوثائق المطلوبة، إذ كان بإمكان السلطة المختصة، وفق ما يورده، معاينة المخالفة وتحرير محضر بشأنها وإحالتها على النيابة العامة المختصة، بدل اللجوء مباشرة إلى سحب المعدات.
ويؤكد العزوزي، في روايته للواقعة، أن الفريق الصحافي قدم للباشا الوثائق القانونية التي بحوزته، وهو ما كان يفترض، بحسب وجهة نظره، أن يسمح باستمرار الصحافيين في أداء مهمتهم، ما لم يكن هناك سبب قانوني آخر ومحدد يبرر تقييد نشاطهم.
ويعتبر صاحب التدوينة أن سحب المعدات رغم إشهار الوثائق يثير إشكالا قانونيا، خصوصا إذا لم يكن الإجراء مصحوبا بمحضر رسمي يحدد طبيعة المخالفة والأسباب التي استند إليها الحجز، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الوضع تم تداركه لاحقا، وفق ما اطلع عليه.
ومن بين النقاط التي أثارها العزوزي في تدوينته، مسألة الترخيص المتعلق بالتصوير في الأماكن العمومية، معتبرا أن هذا الموضوع ظل لسنوات يثير التباساً لدى عدد من المهنيين والسلطات على حد سواء.
ويشير إلى أن المقتضيات المتعلقة بهذا الترخيص ارتبطت أساسا بمجال الإنتاج والتصوير السينمائي، قبل أن يتم، بحسب قراءته، تنظيم وضعية الصحافة الرقمية من خلال مقتضيات خاصة، وهو ما يجعل معرفة الإطار القانوني المنظم للتصوير الصحافي أمرا ضروريا بالنسبة للصحافيين وممثلي السلطات العمومية على حد سواء.
ويرى العزوزي أن السلطة التقديرية الممنوحة لممثلي السلطة في الميدان لا تعني حرية مطلقة في اتخاذ أي إجراء، وإنما تظل مرتبطة بجملة من المبادئ، من بينها وجود خطر حقيقي، أو احتمال عرقلة تدخل القوات العمومية، أو كشف معطيات قد تؤثر على طبيعة التدخل الأمني.
ويبرز هنا، وفق التدوينة، مبدأ التناسب باعتباره أحد المحددات الأساسية؛ فإذا كان وجود الصحافي في نقطة معينة قد يشكل عائقا، يمكن أن يكون الحل في مطالبته بتغيير موقعه، دون أن يعني ذلك بالضرورة منعه من التغطية أو التأثير في عمله.
أما مجرد كون وجود الصحافة مصدر إزعاج لممثلي السلطة، فلا يكفي، بحسب العزوزي، لتبرير منعها من أداء مهمتها.
الصحافة ليست خصما للسلطة
ويخلص العزوزي إلى التأكيد على أن الصحافة والسلطات العمومية يفترض أن تكونا شريكتين في خدمة المصلحة العامة، وليس طرفين متخاصمين، داعيا إلى اعتماد المرونة والتفهم واحترام القواعد القانونية المنظمة لعمل كل طرف.
كما أثار موضوع تصوير عناصر القوة العمومية أثناء تدخلاتهم في الفضاءات العامة، معتبرا أن تصوير هذه التدخلات ونشرها لا ينبغي أن يُنظر إليه تلقائيا باعتباره مخالفة، ما دام يتم في إطار القانون ولا يتضمن عرقلة للعمل الميداني أو مساسا بحقوق وحريات الآخرين.
بين «المهاجر» و«المرشح للهجرة»
وفي ختام تدوينته، توقف العزوزي عند نقطة وصفها بالمهمة، تتعلق بالمصطلحات المتداولة في تغطية أحداث سبتة، مميزا بين مفهوم «المهاجر» و«المرشح للهجرة»، وبين هذا الأخير و«المرشح للهجرة غير النظامية».
ويحذر من الخلط بين هذه المفاهيم عند تناول الأحداث إعلاميا أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، معتبرا أن الدقة في استعمال المصطلحات تظل جزءا أساسيا من المسؤولية الصحافية، خصوصا في القضايا الحساسة التي تشهد انتشارا واسعا للمعلومات غير الدقيقة.
