هل مستشفيات تطوان في مسيس الحاجة إلى "الراهبات"؟ - بريس تطوان - أخبار تطوان

هل مستشفيات تطوان في مسيس الحاجة إلى “الراهبات”؟

مناسبة التطرق إلى هذا الموضوع ،هو الخبر الذي أعلن عنه أسقف الكنيسة المسيحية بالمغرب، والذي كشف فيه أن راهبة من الأخوات المتطوعات، أصيبت بعدوى فيروس كورونا، وذلك أثناء مساعدتها ورعايتها للمرضى المغاربة المصابين بكورونا بأحد مستشفيات مدينة فاس.

مما لا شك فيه أن هذا الخبر يبرز القيمة النبيلة للعمل التطوعي الخالص لمرضاة الله، والتي كانت تقوم به الراهبة بكل صبر وإيثار، وعليه من الطبيعي أن هذا العمل الصالح يستحق “الثناء”، بعيدا عن الخلفيات الدينية والعقائدية والإيديولوجية.

إن هذا الخبر دفعنا إلى استحضار موضوع يعود بالذاكرة إلى الزمن الجميل لمدينة تطوان العامرة، الزمن الذي كانت فيه مستشفيات المدينة والمنطقة الشمالية تعج بالراهبات، وهن أخوات مسيحيات نذرن أنفسهن لرعاية ومساعدة كل مريض يئن من شدة المرض، وقدمن لساكنة تطوان والناحية، خدمات جليلة وتضحيات جِسام، لا زال الجيل الذي عايش تلك الفترة الذهبية يتذكرها بكل عرفان وامتنان.

بكل تجرد وحياد، يشهد التاريخ أن راهبات مستشفيات تطوان، كن الحضن الدافئ لآلام وأوجاع المرضى والمريضات، والدرع الواقي لمحاربة الأمراض الفتاكة ومساعدة المصابين على التعافي، وكن إلى عهد قريب يساعدن النساء الحوامل على وضع أطفالهن في ظروف جد إنسانية ملؤها المحبة والرحمة، بجناح الولادات بالمستشفى العسكري الإسباني السابق الكائن بحومة “الباريو”.

وفي هذا الصدد يشهد الماضي الغير البعيد أن الأخوات الراهبات كن يقدمن خدماتهن بمختلف مستشفيات المنطقة الشمالية بالشاون وبن قريش والعرائش والحسيمة والناظور ومدينة تطوان العاصمة الخليفية لشمال المغرب، وكن يعالجن المغاربة والمغربيات المصابين ببعض الأمراض الخطيرة والمعدية في ذلك العصر، مثل داء السل، والجذام، وحمى المستنقعات، حيث شكلت الراهبات قوة بشرية تسهر على رعاية المرضى وتقديم الدواء لهم، وتتبع حالتهم الصحية، تحت إشراف الأطباء الذين كانوا يثقون في الراهبات ثقة عمياء، بفضل روح التضحية لديهن، وإخلاصهن وتفانيهن في العمل دون غرض مادي أو تحقيق هدف دنيوي.

شيئا فشيئا بدأت أعداد الراهبات تقل بمدينة تطوان والناحية، إلى أن انقرضن بفعل عوامل متعددة لا يتسع المقام لذكرها في هذا المقال، وبالفعل ضاعت راهبات تطوان، كما ضاعت العديد من الأشياء الجميلة بهذه المنطقة.

للأسف وكما قال الشاعر “في الليلة الظلماء يفتقد البدر” ها هي مدينة تطوان تجد نفسها اليوم في مسيس الحاجة إلى مثل هؤلاء النسوة الناسكات، اللواتي نذرن أنفسهن لخدمة المرضى بكل حب وعطف، خدمة مصحوبة بابتسامة ملائكية، تنزل كالبلسم على نفسية المريض الجريحة، وهو ما كان يساهم بشكل كبير في تعافي المرضى في ذلك الزمن ،حسب الشهادات التاريخية الحية، المدونة بشكل متواتر.

إن راهبات مستشفيات تطوان العامرة في الزمن الجميل، أعطين الدليل الملموس من الواقع الملمو، أن الموارد البشرية، المخلصة، البشوشة، والمفعمة بالطاقة الحيوية،هي الضمانة الحقيقية لكسب ثقة المرضى والمصابين في المنظومة الصحية، لأن عملهن كان نابعا من جوارح الفؤاد، ويستفيد منه الجميع بغض النظر عن الدين واللون والمال والوجاهة الاجتماعية، حيث كان عملهن الصالح، بدافع المودة والرحمة خالصا لوجه الرب، ولا ينتظرن منه جزاء ولا شكورا.

للتذكير فإن ثلاث راهبات إسبانيات من المتطوعات في مستشفى محمد الخامس لعلاج الأمراض الصدرية وداء السل بـ «بن قريش» بتطوان، قررن سنة 2015م مغادرة المستشفى بسبب تردي وضعيته الصحية بشكل خطير وتدني  مستوى خدماته، واستحالة العمل فيه، بعد رفض وزارة الصحة ترميمه أو إصلاحه.

كما قررن هؤلاء الراهبات الإسبانيات  آنذاك مغادرة المستشفى الذي  يعتبر أول مستشفى بمنطقة الشمال المغربي لعلاج مرض السل، بعدما عملن فيه لمدة تفوق سبعين سنة، حيث تطوع المئات من الراهبات الإسبانيات للعمل فيه ممرضات ومساعدات منذ تشييده سنة 1946،  خلال فترة الحماية الإسبانية لشمال المغرب، في الوقت الذي تحتاج فيه تطوان وعدد من المدن المغربية لأمثال هؤلاء “الممرضات” اللواتي يعملن بتفان وإخلاص.

بريس تطوان


شاهد أيضا