هل تُفكر في الهجرة؟ - بريس تطوان - أخبار تطوان

هل تُفكر في الهجرة؟

رصدت إحدى القنوات العربية ربورتاجا حول شباب المغرب وأحلامه، ليُجمع كل من تحدث في الشريط المصور على “الهجرة”؛

الهجرة نحو الخارج حلم، طموح وتطلع المغاربة هذا ما خلُص له البرنامج، في كل مرة كان يأخذ أحد المتحدثين الميكروفون ليُبدي رأيه كان يعتصر قلبي ألماً وأنا أشاهد لبة الوطن تحلم بوطن آخر وترى أن الهروب لحضن آخر هو الحل “ربما” لأوضاعها المادية وما سيترتب عنها من نتائج سيكولوجية ونفسية وغيرها …

وبينما يتحدث هؤلاء في منبر إعلامي عن رغبتهم الجامحة في المغادرة، يرتمي آخرون في أحضان الموج منفذين هذه الرغبة … باحثين عن “الأمان” حسب اعتقادهم، لا أزال أتذكر دموع سيدة قابلتها الصيف الماضي، حين سردت لي قصة ابنها القاصر الذي قرر بين ليلة وضحاها الرحيل دون اخبارها بالأمر حتى، أم تبكي الدم على فراق فلذة كبدها وتصف شعورها بالصدمة لحظة اكتشافها الأمر … فبينما كانت تنتظر عودته للبيت مساءً محضّرة له طبقه المفضل للعشاء، كان قد حرق آخر ورقة تربطه بها موطناً ووطناً … لتقرر البحث عنه عند أصدقائه بعد أن طال انتظارها وليُخرسها وقع هجرته “حرك مع الدراري … بعد أن باع بعض الممتلكات” هذا ما صرح لها به أحد أصدقائه بعد إلحاح منها… حُرقة هذه الأم كانت أكبر من طاقتها فبعد أيام معدودة من الصاعقة، لفظ البحر أحد رفقاءه الذين كانوا معه ليلْتهم البقية بعد أن خانهم القارب واستسلم للموج … لا زلت أذكر تلك الغصة التي كانت بقلبها، لا زلت أسمع صوتها وهي تخبرني أن حُلمها الوحيد : رؤيته ولو ميتا، ثم دفنه … ولا زالت صورتها تحضرني متى سمعت عن هجرة أو محاولة للهجرة …

هذا الحلم “العقيم” كما أحب أن أسميه دوما، ليس حلا سهلا كما يظن الكثير من الشباب، الأمر لا يتطلب قاربا أو تأشيرة وحسب، الأمر أعمق بكثير … الأمر يستدعي قوة وجلادة وتحمل كبير، فمن “حالفه الحظ” ولامست قدماه الضفة الأخرى يذق المرار قبل أن يصنع لنفسه كرسيا وسط الكراسي “الأصلية” … ثم يعمل ليل نهار علّه يدفئ مرقده … كنت دوما ولا زلت ضد فكرة الهجرة أو مغادرة الوطن للعيش في بلد آخر، ولطالما احتد بي النقاش وأنا أدافع عن موقفي ندا لأصدقائي الذين يرون أن الرغد هناك … وأن ظروف العيش هنا ليست “مريحة” … وأن فرص الشغل ضئيلة إلى منعدمة وأن الصحة والتعليم تتدهوران تدهور السقيم بالداء المزمن وأن … إلا أني أرى أن هذا الوطن يحتاجنا احتياج الرضيع لأمه، إنْ تخلى عنه الشباب بأكمله  واختاروا الهروب سبيلا .. من يحيي الربيع الذابل به؟ ومن يُشيد ما هدمته الأيادي؟ ومن يُصلح ما أفسدته النفوس الخبيثة؟ يقول ونستون تشرشل: “الوطن شجرة طيبة لا تنمو إلا في تربة التضحيات وتسقى بالعرق والدم”؛ هو كذلك تماما، ما دمنا نحلم بهجره لا يحق لنا مطالبته بما نسميها “حقوق”، الحقوق تأتي وفقا لواجبات عدة … وما دمنا نغض البصر عن واجباتنا اتجاهه فلا حق لنا فيه، الشجرة الطيبة لا تُؤتي أكلها إلا بعد الزرع والسقي والاعتناء …

يقول الشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي:

من لم تكنْ أوطانهُ مفخراً لهُ..
فليس له في موطنِ المجدِ مفخرُ
ومن لم يبنْ في قومهِ ناصحاً لهم ..
فما هو إِلا خائنٌ يتسترُ
ومن كانَ في أوطانهِ حامياً لها
فذكراهُ مسكٌ في الأنامِ وعنبرُ
ومن لم يكنْ من دونِ أوطانهِ حمى ..
فذاك جبانٌ بل أَخَسُّ وأحقرُ.


شاهد أيضا