نعيش اليوم في عالم لم يعد يشبه العالم الذي عرفناه بالأمس. عالم يتسارع بشكل يكاد يصعب معه أن نلحق بتغيراته؛ ذكاء اصطناعي يعيد تعريف المعرفة والعمل، وتكنولوجيا تتطور كل يوم، وشاشات أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، ومحتوى بصري متنوع يجعل المعلومة أقرب وأسرع وأكثر تفاعلاً من أي وقت مضى.
وفي قلب هذا العالم يوجد الطفل…
طفل نشأ وسط الألوان، والحركة، والصوت، والصورة. اعتاد منذ سنواته الأولى على شاشة تستجيب للمس، وعلى معلومة تظهر أمامه في ثوانٍ، وعلى ألعاب ومحتويات مصممة لجذب انتباهه باستمرار. أصبح يعيش في عالم سريع الإيقاع، غني بالمثيرات، ومتعدد الخيارات
وفجأة يجد نفسه أمام عالم مختلف تماماً…
مقعد، وسبورة، وكتاب، وقواعد، وانتظار، وإيقاع بطيء مقارنة بما اعتاد عليه خارج أسوار المدرسة. وبين العالمين، يقف الطفل في المنتصف، مطالباً بأن يتكيف
وهنا يطرح سؤال نفسه: هل تغير الطفل، أم أن العالم تغير من حوله بينما بقيت المدرسة تسير بالسرعة نفسها؟
لطالما كانت المدرسة أكثر من مجرد مكان يتلقى فيه الطفل المعارف. في معناها الحقيقي، المدرسة هي البيت الثاني؛ هي الحضن، والأمان، والمصدر الذي يعزز فيه الشعور على القدرة، القدرة على أن يكتشف نفسه دون خوف من الخطأ.
حيث لا ينبغي منه فقط أن يحل مسألة أو يحفظ معلومة، بل أن يكتشف من يكون، وما الذي يحبه، وما الذي يستطيع فعله، وأن يتعرف على مواهبه و موطن فضوله وأحلامه. المدرسة هي المكان الذي يفترض أن تُصقل فيه شخصيته، وأن تتسع أمامه الآفاق …
لكن ماذا يحدث عندما تصبح المسافة بين عالم الطفل وعالم المدرسة واسعة جداً؟
قد يبدأ الطفل في فقدان شيء ثمين: فضوله…
نحن كثيراً ما نصف الجيل الجديد بأنه قليل التركيز، غير مهتم، لا يحب القراءة، أو لا يبالي بالتعلم. نضع الهاتف والشاشات في قفص الاتهام، ثم نلوم الطفل لأنه أصبح مختلفاً عن الأجيال السابقة
لكن ربما علينا أن نتوقف قليلاً قبل أن نحكم،
ربما التلميذ لا يكره التعلم…ربما هو فقط لا يجد نفسه في الطريقة التي نقدم بها التعلم
ربما لم يفقد فضوله، وإنما لم تعد المدرسة تعرف كيف تخاطب هذا الفضول,
فالتلميذ الذي يستطيع أن يقضي وقتاً طويلاً أمام محتوى يثير اهتمامه، والذي يستطيع أن يبحث بنفسه عن موضوع يحبه، ويتنقل بين المعلومات والصور والتجارب، لا يمكن اختزاله ببساطة في عبارة: «إنه لا يستطيع التركيز»
السؤال الحقيقي قد يكون: على ماذا نطلب منه أن يركز؟ وكيف نقدم له المعرفة؟
المشكلة إذن ليست في التكنولوجيا وحدها، وليست في الطفل وحده. المشكلة قد تكون في الفجوة التي اتسعت بين عالمه الخارجي وعالمه المدرسي
وهذه الفجوة لا تعني أن المدرسة يجب أن تتحول إلى شاشة عملاقة، أو أن يصبح كل درس لعبة رقمية، أو أن نستبدل الكتاب بالهاتف. فالطفل يحتاج إلى أشياء لا تستطيع التكنولوجيا أن تمنحها له: يحتاج إلى المعلم، إلى الحوار، إلى العلاقات الإنسانية، إلى اللعب الحقيقي، إلى الكتاب، إلى التجربة، وإلى مساحة يتعلم فيها الصبر والتأمل
لكن المدرسة تحتاج في المقابل إلى أن تفهم الزمن الذي يعيش فيه الطفل
أن تفهم أن المعرفة لم تعد موجودة فقط داخل الكتاب، وأن المعلم لم يعد المصدر الوحيد للمعلومة، وأن دور المدرسة لم يعد أن تقدم أكبر قدر من المعلومات، وإنما أن تعلمه كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يختار، وكيف يميز بين الحقيقة والوهم، وكيف يستخدم المعرفة لصناعة شيء جديد …
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم إجابة في ثوانٍ، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المعلم الذي يساعد الطفل على فهم معنى السؤال
والشاشة تستطيع أن تجذب الانتباه بالألوان والحركة، لكن المدرسة تستطيع أن تمنح الطفل شيئاً أعمق: المعنى
وهنا تحديداً تكمن قوة المدرسة التي نحتاج إليها…
لسنا بحاجة إلى مدرسة تحاول أن تصبح نسخة من العالم الرقمي، بل إلى مدرسة تعرف كيف تستفيد من هذا العالم دون أن تفقد روحها
مدرسة تجعل الطفل يشعر بأن فضوله مرحب به، وأن أسئلته ليست إزعاجاً، وأن الخطأ ليس فشلاً، وأن المعرفة ليست مجرد شيء يجب حفظه من أجل الامتحان
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للطفل ليس أن ينسى معلومة، وإنما أن يفقد الرغبة في السؤال
فإذا خرج من المدرسة وهو يعرف الإجابات، فقد تعلم
أما إذا خرج منها وهو ما زال يريد أن يسأل، ويكتشف، ويجرب، ويبحث، فقد حدث شيء أكبر بكثير من التعلم
لقد بقي فيه الفضول
ولذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل الجيل الجديد أصبح أقل اهتماماً؟
بل ربما علينا أن نسأل أنفسنا نحن
هل نتحدث لغة هذا الجيل؟
هل نفهم العالم الذي تشكل فيه وعيه؟ هل نفهم السرعة التي أصبح يعيش بها؟ وهل نستطيع أن نجعل المدرسة جسراً بين العالم الذي جاء منه والعالم الذي نريد أن نعده له؟
ربما الزمن لم «يسبق» المدرسة تماماً، لكنه بالتأكيد يضعها أمام امتحان جديد
امتحان لا يتعلق فقط بالمناهج والكتب والوسائل، بل بقدرتها على أن تظل المكان الذي يشعر فيه الطفل بالأمان، ويجد فيه نفسه، ويكتشف موهبته، ويصنع أسئلته الأولى عن العالم
لأن المدرسة التي تفقد قدرتها على إثارة فضول الطفل قد تنجح في تعليمه الكثير من الأشياء، لكنها قد تفشل في أهم مهمة: أن تجعله يحب المعرفة
وربما، في النهاية، لسنا أمام جيل لا يهتم
ربما نحن أمام جيل يعيش في عالم مختلف
وجزء من مسؤوليتنا اليوم ليس أن نجبره على العودة إلى عالمنا، وإنما أن نعرف كيف نرافقه في عالمه، ونساعده على أن يفهمه، ونمنحه الأدوات التي تجعله قادراً على صناعة عالم أفضل
فهل الزمن سبق المدرسة؟
ربما
لكن السؤال الأهم هو: هل ستختار المدرسة أن تلحق به، أم أن تعيد اكتشاف دورها حتى يصبح الزمن نفسه جزءاً من تربيتها؟
