نشأة مدينة تطوان - بريس تطوان - أخبار تطوان

نشأة مدينة تطوان

بريس تطوان/يتبع….

في أواخر القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي نشأت مدينة تطوان الحالية في منطقة تشكل منحدرا جبليا في اتجاه سهل يشقه نهر مرتين صوب البحر الأبيض المتوسط، إلا أن نشأة هذه المدينة لم تكن من العدم، فقد سبقتها عصور طويلة تعاقبت فيها على هذه البقعة الأرضية مراحل التعمير والهدم منذ تمودة في العصر الموري ثم الروماني وما كان قبل ذلك أو بعده في “سيدي عبد السلام د البحر” أو “كيتان” أو “كهف مشروحة” المعروف ب “تحت الغار” أو ما وجد من آثار في جبل رأس الطرف… وصولا إلى دخول الإسلام وظهور حصن تطوان البدوي الصغير الذي كان محاطا بقبيلة بني سكين وبقبيلة مجكسة الغمارية والذي هدم مرارا ثم جدد بناؤه قبل أن يخرب نهائيا على يد البرتغاليين في عام 1437 ويستمر على حاله مخربا نحو خمسين عاما إلى أن جاءت مهاجرة الأندلس فجددوا بناء تطوان في موضعها الحالي بسفح جبل درسة، ومنذ حينها بقيت هذه المدينة في تمدد مستمر فأهمل جزء من سورها الأول ووسعت وجدد السور المحيط بها ليمتد مسافة أطول مع انضمام أحياء جديدة إليها خصوصا بعد هجرة قوج جديد وأخير من أهل الأندلس بعد قرار إخراجهم من بلادهم سنة 1017هـ/1609م، واختيارهم تطوان أيضا مستقرا لهم كما اختارها قسم ممن هاجروا قبلهم بزمن طويل.

وبقيت المدينة طيلة المدة منذ دخول العلويين إليها إلى دخول الحماية الإسبانية محدودة التوسع لم ينصف إليها الكثير على سبيل التوسعة حتى دخلها الإسبان فهدموا جزءا من سورها وبدأت المدينة منذ عام 1913 تتجه نحو انفجار حضري شديد في جميع الاتجاهات بدأ بتأسيس المدينة الجديدة العصرية بشوارعها ذات الطابع الأوروبي، وصولا إلى تعمير جل الأراضي الرزاعية المحيطة بها والتي كانت تمتد إلى رمل البحر.

لقد كان قدوم الحماية حدثا فاصلا في تاريخ المدينة المغربية، وفي تاريخ تطوان على الخصوص، فقد اهتم المستعمر بالمدينة وكان اهتمامه بالبادية أقل، وأصبحت الحياة في المدينة تعني توفر كل شيء خاصة على مستوى الخدمات العصرية، مقابل توالي الجفاف وتراجع الفلاحة التي هي في الأصل فلاحة معيشية في الجبل والريف معا، فبدأت المدن تكتظ بالمهاجرين القرويين منذ مرحلة الثلاثينيات من القرن الماضي إلى حين خروج الإسبان، وما إن زالت الحماية وعادت تطوان جزءا من الدولة المغربية حتى زادت حدة الهجرة في اتجاهها، وتعددت مصادرها هذه المرة إذ لم تعد مقتصرة على القرويين الجبليين أو الريفيين، بل صارت مستقرا للكثير من أهل المدن الأخرى والمناطق التي كانت في عهد الحماية تحت الحكم الفرنسي، وكان العامل الأساسي في ذلك هو انتشار الوظيفة، وعمل الدولة عادة على تعيين الموظفين في غير مواطنهم الأصلية. ثم جاءت المرحلة الجديدة مع مطلع القرن الحالي وظهور حركة “السياحة الداخلية” بشكل كبير خصوصا في الجهة الساحلية من مدينة تطوان، فكان لذلك آثار كبيرة في وفود الهجرات إما نهائيا أو موسميا على المدينة، كما له ألأثر الكبير في اقتطاع أجزاء منها كمرتين والمضيق ورأس الطرف وخلق “عمالة” جديدة مشكلة من هذه المدن الصغيرة التي كانت جزءا لا يتجزأ من أرض تطوان التاريخية ففقدت بذلك شريطا ساحليا ضخما أتبع لاحقا بغيره.

وفي العادة حينما نتحدث عن تطوان التاريخية يخيل إلينا أنها المدينة الواقعة داخل السور خلف الأبواب السبعة، ولكن الحقيقة أن تطوان التاريخية أكبر من ذلك بكثير، صحيح أن التجمع السكاني كان في غالب الأحيان مقتصرا على ما هو جاخل الأسوار إلى حدود تدخل الحماية الإسبانية سنة 1913، ولكن ما كان موجودا خارج الأسوار أيضا كان مقسما إلى “حومات” كما هو شأن القسم الداخلي، حلها في ذلك الوقت “جنانات” و “فدادين” و “غرسات” حتى تنتهي حدود معينة إما مع البحر أو مع المداشر القريبة.

وبناء على معطيات الرسوم والوثائق والمصادر القديمة التي شكلت أساس عملنا هذا فقد تشكلت تطوان من أكثر من مئتي “حومة” سواء المأهولة منها التي داخل السور وخارجه أو غير المأهولة حينها امتد إليها البناء الآن أو غطاها بالكامل، والتي كانت في السابق أرضا زراعية أو مرعى للماشية أو مكانا للتنزه أو الاصطياف، وقد كانت عادة أهل تطوان – لكون مدينتهم شديدة الرطوبة – أن يخرجوا من منازلهم في الصيف ويذهبوا إلى بساتينهم هذه خارج الأسوار فيقضون فيها ما تيسر من الصيف، ثم يتجهون في فصل الخريف إلى بحر مرتين، وهو مرسى تطوان البحري، فيقضون فيه بضعة أسابيع قبل العودة إلى منازلهم. ثم مع حركة التعمير التي عرفتها المدينة في عهد الحماية وما بعده بطل ذلك، وصار بحر مرتين مصيفا لأهل المدينة وانقطعت عادة التنزه في البساتين بالتدريج مع سحق البناء للأراضي الزراعية. ومع مرور الزمن صار أهل المدينة يأنفون من الذهاب إلى مصيف مرتين نفسه بسبب الاكتظاظ الشديد والازدحام والاختناق الذي صاريشهده خصوصا منذ مطلع القرن الحالي، وأقبل قسم كبير من الأهل المدينة على مواضع أخرى مع انتشار المواصلات وتحسن شبكة الطرق.

كانت حدود تطوان التريخية إذن تلتقي شرقا مع البحر الأبيض المتوسط على شريط ساحلي طويل من “الديزة” إلى “نكرو”، ومع مداشر قبيلة الحوز شمالا وغربا: عين اللين وجبل زمزم والجعابق البحري والملاليين وبني سالم والقلالين والسرور وسمسة وبني عمران واللوزيين، ومع مدشر منكال من بني يدر غربا، ومع مداشر قبيلة بني حزمار جنوبا: تامزقت ودار أسنوس ودار الزكيك وبوسملال وبني صالح وكيتان وتازروت والدفالي والظهر واقنيقرة والتلول، وكان تداخل المجال الفلاحي عادة سببا للكثير من المشاكل بين أهل المدينة واهل هذه القرى.

العنوان: معجم الأماكن التاريخية في تطوان

للمؤلف: بلال الداهية

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)


شاهد أيضا