بريس تطوان
اعتبرت نجاة حمرية، نائبة رئيس فريق حزب العدالة والتنمية بجماعة تطوان، أن الطريقة التي يُدبَّر بها ملف التشجير بالمدينة لم تعد مجرد نقاش مرتبط بتسيير المساحات الخضراء، بل تحولت إلى قضية بيئية وقانونية وأخلاقية تمس حق الساكنة في العيش داخل بيئة سليمة، وتثير تساؤلات بشأن المقاربة التي يعتمدها المكتب المسير في التعامل مع الرصيد الشجري للمدينة.
وأوضحت حمرية أن فريق حزب العدالة والتنمية سبق أن نبه، في مناسبات متعددة، إلى خطورة عمليات الشذب الجائر والتقليم العنيف التي تتعرض لها الأشجار بمختلف أحياء تطوان، معتبرة أن هذه الممارسات تُفقد الأشجار دورها البيئي والجمالي، وتحولها إلى جذوع عاجزة عن توفير الظل، وتلطيف المناخ، والمساهمة في تنقية الهواء.
وأكدت أن تلك المواقف لم تكن مجرد مواقف سياسية، بل استندت إلى معطيات علمية ومنطق بيئي، غير أن المكتب المسير، بحسب تعبيرها، استمر في اعتماد مقاربة تقنية ضيقة، بعيدة عن أي رؤية بيئية مستدامة.
وأضافت أن الدراسات العلمية الحديثة جاءت لتؤكد صحة هذه التحذيرات، مشيرة إلى دراسة نشرتها الدورية العلمية People and Nature، خلصت إلى أن توسيع الغطاء الشجري داخل المدن يعد من أكثر الحلول الطبيعية فعالية للتخفيف من آثار ارتفاع درجات الحرارة المرتبط بالتغيرات المناخية، حيث تسجل الأحياء الغنية بالأشجار درجات حرارة أقل مقارنة بالمناطق التي تفتقر إليها، وهو ما يتماشى مع توصيات المؤسسات الدولية التي تعتبر التشجير الحضري أداة أساسية للتكيف مع التغير المناخي، وليس مجرد عنصر جمالي.
وتساءلت حمرية عن الأسس التي يعتمدها المكتب المسير في مواصلة التعامل مع الأشجار باعتبارها عبئاً ينبغي التخلص من أغصانه، بدل اعتبارها رأسمالاً بيئياً واستثماراً طويل الأمد في صحة المواطنين وجودة عيشهم.
واعتبرت أن هذا النهج لا ينسجم مع المقتضيات الدستورية، مبرزة أن الفصل 31 من الدستور يكفل الحق في بيئة سليمة، فيما يجعل الفصل 35 التنمية المستدامة من مرتكزات السياسات العمومية، ويؤكد الفصل 40 ضرورة المحافظة على الموارد الطبيعية، كما ينص الفصل 154 على مبادئ الجودة والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مبادئ، وفق تعبيرها، لا تتوافق مع أي ممارسة تؤدي إلى إضعاف الرصيد البيئي للمدينة.
وأضافت أن الإطار القانوني الوطني واضح في هذا المجال، إذ ينص القانون الإطار رقم 99.12 المتعلق بالميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة على إدماج البعد البيئي في مختلف السياسات العمومية، بينما يؤكد القانون رقم 11.03 بشأن حماية واستصلاح البيئة ضرورة الحفاظ على عناصر الوسط الطبيعي، كما يحمّل القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الجماعات الترابية مسؤولية حماية البيئة وصيانة المنتزهات والحدائق والمساحات الخضراء، بما يجعل الحفاظ على الأشجار التزاماً قانونياً وليس مجرد خيار تدبيري.
وشددت حمرية على أن الحفاظ على الأشجار لا يعني تركها دون صيانة، مؤكدة أن التقليم العلمي يظل ضرورياً عندما يتم وفق المعايير التقنية وتحت إشراف مختصين، غير أن الشذب الجائر يضعف بنية الأشجار ويجعلها أكثر عرضة للأمراض والجفاف، الأمر الذي ينعكس سلباً على المشهد الحضري وعلى قدرة المدينة على مواجهة موجات الحر.
وأبرزت أن هذا الموضوع يكتسي أهمية أكبر في ظل ما تعرفه تطوان، شأنها شأن باقي المدن المغربية، من آثار متزايدة للتغيرات المناخية، من ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات وتزايد الضغط على الموارد المائية، معتبرة أن كل شجرة أصبحت تمثل جزءاً من البنية التحتية المناخية للمدينة، ما يستوجب توسيع الغطاء النباتي، خاصة في ظل تحدي غرس مليون شجرة في أفق سنة 2027، بدل تقليص أثره البيئي.
وطالبت نائبة رئيس فريق حزب العدالة والتنمية المكتب المسير بتقديم توضيحات للرأي العام بشأن الأسس العلمية المعتمدة في عمليات الشذب، والكشف عن الدراسات التقنية والخبراء المشرفين عليها، مؤكدة أن تدبير الرصيد الشجري ينبغي أن يستند إلى معايير علمية وقانونية دقيقة، بعيداً عن القرارات الارتجالية.
وختمت نجاة حمرية بالتأكيد على أن الأشجار تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة آثار الاحتباس الحراري، وعنصراً أساسياً في حماية الصحة العامة وتحقيق التنمية المستدامة، داعية إلى مراجعة عاجلة للسياسة الحالية، ووضع استراتيجية متكاملة لحماية الرصيد الشجري بمدينة تطوان، تقوم على التقليم العلمي، وتوسيع المساحات الخضراء، وإشراك الخبراء والجامعات والمجتمع المدني، بما يضمن احترام حق المواطنين في بيئة سليمة.
