بريس تطوان
“البطاطا، دمرتيل، كتطيب يا ولادي ،غا بالربو”.
المقصود ب”الربُو” باللهجة المحلية الشمالية، بتسكين حرف ” الراء”، وتشديد الضمة على الباء؛ بُخار الطهي، بعبارة أوضح، أن طهي بطاطس مرتيل كان سهلا جدا، ولم تكن الأمهات وربات البيوت في ذلك الزمن “الجميل” مضطرات لوضعها والإغلاق عليها داخل طنجرة الضغط.
هذه العبارة المشار إليها أعلاه، أكيد كان يسمعها بين الفينة والأخرى جيل تطوان والناحية، في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ترددها الأمهات والجدات، كشاهدات على تربة خصبة تنتج خضراوات ذات جودة عالية، يتم طهيها بكل سهولة وبالبخار فقط، لأنها كانت خضروات طبيعية عضوية طازجة، خالية من السموم الكيماوية ولا تسقى بمياه قذرة .
و حتى منتصف السبعينيات كان سهل مرتيل ينتج أجود أنواع البطاطس على المستوى الدولي وذلك بشهادة كبار الفلاحين والمزارعين الإسبان الذين كانوا يعترفون بأنه يوجد صنفين من أجود البطاطس العضوية بالعالم :
الصنف الأول يزرع بالأراضي الرملية الغنية بالأملاح المعدنية بشمال المغرب وتحديدا بسهل مرتيل خاصة الحقول التي توجد على مقربة من الواد المالح.
أما الصنف الثاني من البطاطس الجيدة فكان ولازال يزرع عند حقول مصب “الوادي الكبير” النهر الذي ينبع من جبال غرناطة و يخترق عاصمة الأندلس “اشبيلية وينتهي بمنطقة تسمى “سان لوكار دي باراميدا”.
والسر في جودة “بطاطس” مرتيل الرائعة وبطاطس مصب نهر “الواد الكبير”بجنوب اسبانيا والتي للأسف لم يتذوقها جيل العصر الحالي، هو وجود بيئة متوسطية رطبة وحقول رملية قريبة من رذاذ البحر، مصحوبة بجداول وعيون من الماء العذب الزُلال الذي يصب بالواد المالح، وكل ذلك التنوع خلق بيئة فلاحية ممتازة لكي تنمو الخضروات في أحسن الظروف .
وليس البطاطس وحدها من كانت حلوة المذاق سهلة الطهي، بل كذلك الجزر واللفت، والباذنجان المعروف ب”البرنجال د جبالة” والفلفل، فكل الخضر التي كانت تزرع بحقول مرتيل الخصبة كانت لها سمعة طيبة لدى المستهلكين حيث يتهافتون عليها بمجرد وصولها لأسواق مدينة تطوان.
أكثر من ذلك؛ فخضروات سهل مرتيل كان يتم تصديرها إلى مدينة سبتة وصخرة جبل طارق التابعة للتاج الملكي البريطاني، نظرا لجودتها العالية.
مع بداية الثمانيات ومع ظهور الطفرة العقارية وسهولة الربح السريع من خلال بناء إقامات ومساكن ثانوية للمحظوظين، بدأ سرطان العقار يزحف رويدا رويدا، على الأراضي الفلاحية لسهل مرتيل، تحت شعارات التنمية المجالية والتهيئة الحضرية وإعادة التأهيل.
ولقد لعبت مجالس وزير الداخلية إدريس البصري الرجل القوي في ذلك الزمن و مهندس مفهوم اللامركزية بطريقة” تمغربيت”، دورا حاسما في تدمير حقول مرتيل الخصبة واستئصالها من الجذور.
أول ضربة تلقاها سهل مرتيل كانت مع مجيء منعش عقاري من العاصمة الرباط كانت له علاقة مع “إدريس البصري” حيث طفت على السطح ظاهرة التجزئات السكنية، وهكذا ظهرت إقامات “كراكشو” والفيلات العشوائية للواد المالح، واقامات “كابونيكر” وغيرها ، بتواطؤ النخب المحلية والمجالس المنتخبة.
إن مجالس وبلديات “ادريس البصري ” ساهمت بشكل كبير في تسهيل مهمة السطو على حقول مرتيل الزراعية وتحويلها لصناديق إسمنتية، ففتحت الباب على مصراعيه للجرافات، بهدف اجتثاث الأشجار والقضاء على الزرع والضرع، والوحيش ومختلف أنواع الطيور التي كانت تؤثث ضفتي نهرالواد المالح والمناطق الخضراء.
وهكذا ضاعت حقول سهل مرتيل الغنية ونمت على تلك الأرض الطيبة غابات من الإسمنت المسلح والآجور الأحمر، وإذا رغب أي مغربي يعيش في هذا الزمن “الغريب”،أن يتذوق حلاوة تلك البطاطس المنقرضة، عليه أن يسافر إلى حقول “سان لوكا ردي باراميدا” على الحدود البرتغالية الاسبانية فهناك لا زال الفلاحون الإسبان، يزرعون ذلك النوع من البطاطس الرملية، وهم يفتخرون بكونهم وحدهم على كوكب الأرض من لا زال ينتج أجود البطاطس .
للأسف الشديد الإسبان الذين نصفهم بالنصارى لا زالوا يحافظون على غلتهم التي لا تقدر بثمن للأجيال القادمة، لأبنائهم وأحفادهم، طبقا للمقولة التي كنا نسمعها في فصول المدارس “غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون” في حين سيترك المغاربة المسلمون لأبنائهم صناديق إسمنتية وغابات من الشقق البشعة، كعلب السردين الصدئة، وبئس ما تركوا.
