مواصفات البيت التطواني العتيق (4) - بريس تطوان - أخبار تطوان

مواصفات البيت التطواني العتيق (4)

بريس تطوان/يتبع…

السطح: ومن الطابق العلوي للدار، يقع الصعود إلى السطح، وذلك بواسطة درج قد تخللته مخازن أيضا، تستغل بدورها لمختلف الاحتياجات داخل الدار. وقد يوجد في أعلى طابق من الدار مما يوازي مستوى السطح، محل رحب يستغل أيضا في خزن الغلات بالنسبة للدور الكبرى التي غالبا ما يكون أصحابها ذوي نشاط فلاحي كبير، فيحتاجون مع ذلك إلى خزن أكياس هذه الغلات في أمكنة واسعة كالتي أشرنا إليها، ويطلق على هذه الأمكنة اسم “المنزه”.

ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن الدار التطوانية أن نحدد دور السطح في حياة السيدة التطوانية، فهو بالنسبة لها متنفس تقضي فيه أوقاتا طويلة، تعتني بأزهارها، وتغذي طيورها وحمائمها، وتخيط وتطرز، وتتحدث مع رفيقاتها وصديقاتها وجاراتها اللاتي يجاورنها، وقد تبعد سطوحهن عن سطحها، ولكن ذلك لا يمنع من التواصل، أن ما بين السطوح من “السطاير” أو الجدران المنخفضة لا يمنعها من المرور من سطح إلى سطح،  حتى تدرك صديقتها التي تجالسها وتؤانسها لمدة قد تطول وقد تقصر.

هذا وصف مختصر لهيئة الدار التطوانية القديمة التي توجد في الأحياء العتيقة للمدينة، إلا أن أهل تطوان قد عرفوا منذ القديم بعشقهم للزهور والنباتات والأشجار، ولهذا نجد أن الكثيرين منهم قد أحبوا السكنى في الأرياض والأحياء التي أنشئت بأطراف المدينة، وما شيد في هذه الأحياء من دور تعرف باسم “الرياض” أو “الرياط” كما ينطقها التطوانيون، نظرا لما اشتملت عليه من حدائق وأشجار وزهور وعرائش تضفي على الدار جوا من الحبور والمتعة، مما يذكرهم بليالي أجدادهم الأندلسيين، يوم كانوا يرتعون بين خمائل البساتين في غرناطة وقرطبة وإشبيلية.

وإذا كان من المعلوم أن مدينة تطوان كانت محاطة بالأسوار التي تغلق أبوابها في نهاية كل يوم، لكي يعاد فتحها في صباح الغد، فإنه يكون طبيعيا أن يبني الناس دور سكناهم داخل هذه الأسوار، حيث يضمن لهم الأمن والأمان، إلا أن هذا لا ينفي أن كثيرا من الأسر التطوانية، كان لها في ذلك العهد الذي كانت أبواب المدينة تغلق فيه مساء، دور أخرى خارج الأسوار، وهي دور خاصة بالنزهة والترويح عن النفس، وذلك في “الجنانات” و “الغرسات” المعروفة في ضواحي المدينة، مما يعرف بكيتان، والعدوة، وبوسملال، وعين ملول، وبوجراح، وبوسافو، وغيرها، أما الدور التي كانت تبنى في هذه الضواحي، فهي دور بسيطة غالبا ما كانت تشتمل على طابق سفلي به مطبخ ومرحاض، وطابق علوي به غرفة أو غرفتان للجلوس، مع نوافذ كبيرة على البستان. كما تكون للبيت “جلسة”، أي مكان خاص بالجلوس في البستان، يظلله عريش مكسو بالورد الحر أو الياسمين المنعش.

وليس بخفي أن كل هذه الضواحي والجنانات والأغراس، هي التي أصبحت حاليا من ضمن أحياء المدينة، وذلك بعد فيضان هذه بالسكان الذين توافدوا عليها من كل حدب وصوب، فلم تسعهم أسوارها، ولم تعد أبوابها تغلق عليهم، بل فتحت الأبواب وتخطيت الأسوار، وانعدم دورها في حفظ الأمن والأمان، وترامت أطراف المدينة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا إلى ما شاء الله.

ولعل الزائر لمدينة تطوان حديثا، سيلاحظ أن هذه المدينة تنقسم إلى قسمين: المدينة العتيقة التي كانت محتضنة بين الأسوار القديمة، ثم المدينة الحديثة التي بنيت في عهد الحماية الإسبانية عليها ما بين سنة 1913 و 1956 فما بعد. وبالطبع، فإن هذا القسم الجديد من المدينة يتسم بدوره بطابعه الخاص، وهو البناء الأوربي المعهود في إسبانيا بالخصوص، من عمارات ذات طوابق متعددة، وهندسة مخالفة تماما لهندسة الدور الموجودة بالمدينة العتيقة. علما بأن هذه الأحياء الحديثة من تطوان، كانت بها في فترة الحماية الاسبانية بالخصوص، ظاهرة جميلة جدا، من شأنها أنم تحافظ على أمن سكانها، ألا وهي ظاهرة وجود ما كان يعرف ب “السرينوس” وهو أنواع من الحرس الذي كان يسهر طول الليل ذهابا وإيابا بين الشوارع والأزقة، حارسا للعمارات والدور، وبيده باقة من المفاتيح الخاصة بأبواب العمارات، حيث يتكلف بفتح الباب لكل من أراد الدخول إلى بيته بعد سهره خارجه، حيث ينادي بأعلى صوته: سرينوووووو ….، فيحضر السرينو ويفتح له الباب، كما كان من مهامه أن يراقب كل الأبواب، متحققا من إقفالها جيدا، حماية لها من دخول اللصوص والمتطفلين.

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ.حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة


شاهد أيضا