من يكفينا شياطين الإنس؟ - بريس تطوان

من يكفينا شياطين الإنس؟

صفدت شياطين الجن في رمضان.. فمن يكفينا شياطين الإنس؟

بقدر ما تنشرح صدور الملايين في رمضان فتقبل على التوبة والأوبة والعبادة وارتياد المساجد والإقبال الكبير على صلاة التراويح، والتصالح مع الدين والتدين، بقدر ما تضيق صدور شرذمة قليلة بهذه الأجواء الطيبة المباركة فتنبري أقلام ومنابر ورقية وإلكترونية للسخرية والاستهزاء والحط من شعائر المسلمين ووصف تراويحهم بالفوضى ودعوة أهل القرار بالتدخل العاجل، واستهجن أحدهم تتبع المجودين المتقنين لتلاوة القرآن والانتقال إليهم، ووصفوا تدين الناس بالنفاق، ودعوا إلى إلغاء قانون تعمد انتهاك حرمة الصيام، وتأسفوا لحال الخمرة والسكارى هذه الأيام، ودعوا إلى رفع الحظر عنهم والتطبيع معهم في رمضان أسوة بالشهور الأخرى، ودعا بعضهم الناس إلى الصلاة في البيوت ووصف صحيح البخاري بالضعيف، حيث أصبح بقدرة قادر من علماء الشان والجرح والتعديل، وجاء موقع للناس برأي من “التنويريين” يدعو إلى إزالة التراويح جماعة من قائمة العبادات المسنونات بحجة أنها فعلة عمرية لا علاقة لها بالدين، غافلا عن توجيه نبينا صلى الله عليه وسلم: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجد”.

إنه هذيان كائنات غريبة عن وسطها، وشاذة عن السواد الأعظم من الأمة أو هي أو بعضها موظفة عند جهات لا تمل ولا تيأس من محاولة سلخ الأمة عن دينها في سياق قوله تعالى: “وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ ..‬ (217) البقرة، أو هو بشكل مباشر وظيفة رسمية عند الشيطان وحزبه ونيابة عنه، وخصوصا مع حالة تصفيد شياطين الغيب في رمضان فيتولى شياطين الشهادة المهام، حتى لا تتعطل مهمة الوسوسة وتقبيح الخير وتزيين الشر والمعاصي والموبقات وإطلاق المشوشات والنفخ بالفم المليان عل وعسى تطفأ أنوار الهداية في شهر القرآن والصيام…

هجمة هؤلاء الشواذ على مظاهر التدين في شهر الصيام على أداء صلاة الجماعة، ومنها الاقبال على صلاة التراويح وامتلاء المساجد بذلك ومعها الساحات والطرقات المحيطة بها، تؤكد بحمد الله أصالة التدين في المغاربة وعموم المسلمين في هذا الشهر الفضيل، وأن الخير ما يزال فيها، وتجذر الإسلام في هذه الشعوب، وتؤكد أن الجهود الجبارة التي بذلها المستعمر ويبذلها أزلامه وأذنابه في بلاد المسلمين إلى اليوم، لم تأت على أصل التدين بالإسلام وإن أحدثت جروحا عميقة في بعض أحكامه وتشريعاته، وتؤكد أن خط العودة إلى الالتزام بالدين كله ما يزال ممكنا مع هذه الجذوة المتقدة في أمتنا، فلولا ترسخ هذه الحقيقة وعمقها في مجتمعنا، لما أثارت هذا الحنق والغيض والتذمر الكبير عند هؤلاء الأسرى لدى الطرف الآخر المضاد لعقيدتنا وقيمنا وحضارتنا، أو بالأحرى عند إبليس وحزبه.

المسألة الثانية لو كان هؤلاء ديمقراطيين حقيقة ودعاة حقوق إنسان وأبواقا تعددية وأدب اختلاف وقبول الآخر… لاحترموا اختيار الأغلبية والسواد الأعظم من الأمة ولوقروا دين الناس وتدينهم ولم ينصبوا أنفسهم في جهة التشويش والتشويه والسخرية والاستهزاء والاستفزاز، فإذا كانوا من دعاة حقوق الأقليات، فأين حقوق الأغلبية في أن تمارس شعائرها في أمن وأمان واحترام؟ والتي هي من احترام الأنسان وكرامته وما يختار من عادات وتقاليد وقوانين تيسر أمر تدينه وتحفظه.

المسألة الثالثة ليعلم المنخرطون في حملة التشويه والتنفير والاستهزاء بالشعائر وتدين الناس أنهم على خطر عظيم، وأقصد المغرر بهم والعاملين في ذلك من غير تقدير صحيح للأمر ومن غير معطيات كافية، وربما من غير قصد لبعضهم ممن يعتبرون أنفسهم مصلحين من صلب هذه الأمة، وذلك أن المسلم له بفعل إسلامه التزامات تجاه دينه، أولها تعظيم شعائر الله وعدم الحط منها أو تسفيهها لقوله تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ {الحج:32}. ولا يشكك في نيات الناس ومقاصدهم بالتدين فيصفهم بالنفاق، بحيث يسائل دينا: هل شق على قلوب الناس وصدورهم، حتى يصفهم بالرياء والنفاق، فكيف يكون حسابه عند ربه عندما تخاصمه هذه الملايين عند ربها؟ والأجدى لمن حسنت نياته ومقاصده أن يدعو إلى ترشيد التدين، يقول: الاقبال على الصلاة وقيام الليل حسن ومبارك يجب أن يعقبه استقامة وتحسن في السلوك والمعاملة كما قال تعالى: “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”، وأن الاقبال على الصيام جميل، والأجمل الصيام عن الذنوب والمعاصي والصيام عن أكل أموال الناس بالباطل، وجهاد النفس للعمل الجاد في الإدارات وقضاء مصالح الناس والصيام عن الغش والفساد ومختلف الآفات، وكذا يدافع عن حق الناس في أن يجدوا موضعا في المساجد إذا أقبلوا على العبادة بتوسيعها والإكثار منها، كما ينادي عادة بتوفير مقعد لكل متعلم وسرير لكل مريض…، عوض دعوة الناس للصلاة في بيوتهم أو وصف صلاة التراويح بالفوضى وقطع الطرقات، ولا يصف هؤلاء بنفس وصف ما يحدث في موازين ومهرجانات الفسق والفجور من تحويل الطرقات وإغلاقها، وإن كان لا مجال للمقارنة.

لقد صفد الله شياطين الجن ومردتهم ليسهل على كل راغب في الخير الإقبال في موسم العبادة على الطاعات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة» (رواه الترمذي وصححه الألباني).

وبقي على المكلفين من أهل الإيمان والدعوة والصلاح مواجهة شياطين الإنس المشوشين، أولا بدعوتهم إلى طريق الخير والهدى عسى يتم تخليصهم أو الممكن منهم من قبضة إبليس وأعوانه، ثم تحصين المؤمنين من مداخل الشياطين بسد باب الجهل بنشر العلم بهدي الإسلام في مختلف مناحي الحياة، وسد باب الغفلة بالتذكرة والموعظة الحسنة، وسد باب الهوى بغرس التقوى في النفوس بحب الله والخوف من عقابه وغضبه والقناعة بالحلال الطيب والاجتهاد في الاستزادة منه، وغرس الاستعداد ليوم الرحيل في القلوب والنفوس، ثم بعد ذلك سن ما يناسب من القوانين لحماية تدين الناس من عبث العابثين.

فهل يليق بالعقلاء أن يسنوا قوانين لحماية أوطانهم ووحدتهم الترابية ورموزهم السيادية ويغفلون عن حماية الأصل الأصيل للحمتهم وتجمعهم وتاريخهم وهويتهم وحضارتهم ودينهم، فهناك عقوبات تهم الوحدة الترابية وعقوبات تهم المساس بشخص الملك، ولا بد من أخرى تهم الله ورسله ودين الإسلام حتى لا يتجرأ على هذه الأصول من هب ودب من حثالة المخلوقات، وذلك حتى نكون صادقين في الشعار الذي نفتخر به في مملكتنا الشريفة: الله الوطن الملك، والأول أولى وأعلى وأبقى وأعظم، ونقول هدى الله المغرر بهم في هذه الحملة الظالمة على دين الأمة وشعائرها، التي لا تضر في الحقيقة إلا أصحابها، وأما المغاربة فماضون بحمد الله إلى دينهم يصيبون ويخطئون ولكن بالتأكيد يتقدمون نحو الأرشد من التدين والأفضل، ومن يزعجه ذلك ممن لم ينفع معه شيء مما مر، فمختصر الكلام معهم “موتوا بغيظكم”، والحقد والكراهية لا يقتلان في الأغلب الأعم غير صاحبهما. والله ناصرا دينه ومعليا شأنه ولو كره المبطلون.


شاهد أيضا