من قال أن الصمت من ذهب؟ - بريس تطوان

من قال أن الصمت من ذهب؟

أن يتعرض أحدهم لسرقة أغراضه .. أن يعترض طريقه أحد المتسكعين .. أن يهدد بالسلاح الأبيض .. أن يهان وتهدر كرامته أمام عينيه .. حالات تجعل الضحية يعيش الرعب والعنف والخوف في ذات اللحظة ..
ثم ماذا لو كانت الضحية “أنثى” وكانت الحالة “تحرش”؟! فمما لا شك فيه أن وضعها سيفوق وضع حالة السرقة بألف درجة … بل أن سرقة كرامتها، حريتها واستقرارها النفسي أفضع سرقة يمكن أن تصف الكلمة ككل!!
إنه الخبث الاجتماعي في أبشع تجلياته والأنانية البشرية الفضة، التي تدفع الإنسان إلى التجرد من إنسانيته والنظر إلى بني جلدته على أنه وجبة دسمة يستطيع من خلالها أن يتحدى ضعفه وهوانه وينزل بذلك أسفل دركات العيش الآدمي متدهورا إلى فصيلة الحيوان ولو أن في هذا التشبيه ظلم كبير لهذه الكائنات الوديعة (الحيوانات).
أخبرني أحد الأصدقاء ذات يوم أن لباس المرأة يلعب الدور الكبير في إرتفاع حالات التحرش …؛
هذه الفكرة باتت لصيقة بالموضوع نتبناها لنبرر التصرف الشنيع وبابا نفتحه كمجتمع لنتملص من الجريمة ونبرئ ذمتنا! إذ أكاد أذهب مع الفكرة شخصيا إلى حد كبير قبل أن أسمع عن حكاية سيدي قاسم والحمارة! والفضيحة البريطانية المتمثلة في اغتصاب جثة! ومآسي الأطفال والرضع التي باتت أخبارا متداولة نكاد نألفها …
لأتساءل من جديد أين يتجلى اللباس هنا؟ وما الدور الذي يلعبه في هذه الحالات؟!
الأمر يتعلق بالوحشية التي تعشش في النفوس والجهل العظيم الذي يسكن العقول والمرض النفسي الذي لا علاج له …
هو صراع آدمي لا يزال قائما منذ الأزل وتراشق بالمسؤوليات بين الرجل والمرأة لا يأبى أن ينتهي ..
لنصدم كل يوم، بل كل دقيقة بالكم الهائل لحالات التحرش والتي يتنكر فيها المجرم في كل مرة، فيحدث أن يظهر على هيئة أستاذ، طبيب، مدير، زميل، رجل أمن، فرد من العائلة أو متسكع قاطع طرق …
يرتدي قناع البريء وينفذ جريمته منوعا في أشكالها المتعددة : اللفظي منها، الجسدي، الجنسي وغيرها -حسب الوضع الزمكاني والمقام- …
لتجد الضحية نفسها أمام حلين إما أن تصمت وتتحدى جروحها وإما أن تثور وتتحدى العالم.
ولعل الحل الثاني صار أكثر تداولا في السنين الأخيرة؛
نساء يثرن في وجه الإعتداء ويرفعن شعار ال “لا” ، يكشفن المستور ويفجرنها في وجه المجتمع..
وهذا ما حصل مؤخرا في العاصمة المكسيكية ردا على حالات الإغتصاب المتوالية لرجال الأمن للقاصرات، إذ أفضى الاحتجاج السلمي النسوي إلى تدمير محطة الحافلات واضرام النار في قسم الشرطة رافعات لشعار مؤسف : “إنهم لا يحمونني، إنهم يغتصبونني” … غضب عارم للمكسيكيات جاء بعد الإحصائيات الصادمة للأمم المتحدة مفادها أن تسع نساء يقتلن يوميا وتغتصب إحداهن كل 18 ثانية !! (حسب موقع هسبريس الإخباري) الشيء الذي يدل على أن التحرش لا ينتسب لمجتمع معين بل ينسب لشخص مريض، غير سوي وسليم .. هو أزمة خانقة تسببها التجاوزات العامة للموضوع واللاهتمام به والصمت ثم الصمت ثم الصمت، فمن قال أن الصمت من ذهب كان كاذب ومن أقنعنا بالمقولة لم يعمل إلا في خداعنا.
مريم كرودي/ بريس تطوان

شاهد أيضا