من الغابات إلى الإسمنت.. دراسة تكشف آثار التمدد العمراني على تطوان والفنيدق

بريس تطوان

كشفت دراسة علمية حديثة أن التوسع العمراني والارتفاع المتزايد في المساحات المبنية والإسمنتية بالمدن الشمالية للمملكة، ولا سيما طنجة وتطوان والفنيدق، يساهم في إحداث تغيرات ملموسة في الدورة الهيدرولوجية للأمطار، إلى جانب التأثير على توازنات حرارة سطح الأرض وقدرة النظم البيئية المحلية على تثبيت الكربون.

وأظهرت نتائج نموذج محاكاة رقمي متقدم، نشرتها المجلة العلمية المحكمة «Sustainability»، أن المناطق الحضرية تسجل معدلات أعلى من الجريان السطحي لمياه الأمطار مقارنة بالمناطق المجاورة التي ما تزال مغطاة بالنباتات الطبيعية، وذلك بسبب محدودية قدرة الأسطح المبنية على امتصاص مياه التساقطات وتمكينها من التغلغل داخل التربة.

وبحسب الدراسة، فإن عمليات النمذجة الخاصة بمدينة طنجة أظهرت أن حوالي 34 في المائة من أمطار فصل الخريف تتحول إلى جريان سطحي داخل النسيج الحضري، في حين تكون هذه النسبة أقل بالمناطق الغابوية المحيطة.

وتصبح الفوارق أكثر وضوحا خلال فصل الشتاء، خصوصا في مدينتي تطوان والفنيدق، حيث يمكن أن تتجاوز معدلات الجريان السطحي المسجلة داخل المجالات المبنية نظيراتها في الغابات والمراعي المجاورة بأكثر من عشرة أضعاف.

وترتبط هذه النتائج، وفق الدراسة، بالخصائص الجغرافية والطبوغرافية لشمال المملكة، الذي يجمع بين المناطق الساحلية المنخفضة والمنحدرات الحادة والأحواض المائية الضيقة، وهي عوامل تحد من قدرة المياه على التسرب إلى باطن الأرض وتسرّع انتقالها فوق الأسطح غير النافذة.

وفي الجانب المناخي، رصدت الدراسة تأثيرا لافتا للتحضر على حرارة سطح الأرض بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة. وأظهرت المعطيات أن متوسط تأثير التوسع العمراني على حرارة السطح يقترب من الصفر خلال فصل الصيف، بينما سجل وسط مدينة طنجة انخفاضا نسبيا في حرارة سطح الأرض مقارنة بالمناطق الريفية المحيطة.

وأرجعت الدراسة هذه الظاهرة المحلية إلى تأثير النسيم البحري والتباينات الحرارية المرتبطة بارتفاع حرارة الأراضي الجافة المحيطة خلال فصل الصيف، مشددة في الوقت نفسه على أن المعطيات تتعلق بدرجة حرارة سطح الأرض المرصودة بواسطة الأقمار الصناعية، وليس بدرجات حرارة الهواء التي يشعر بها السكان.

وعلى المستوى البيئي، كشفت التحليلات عن تراجع ملحوظ في الإنتاجية الأولية الإجمالية للنباتات داخل المناطق التي شهدت تحولات عمرانية، مقارنة بالأنظمة الطبيعية التي كانت تغطيها سابقا. كما أظهرت النتائج فقدان المناطق الشمالية الرطبة جزءاً من قدرتها على تثبيت الكربون نتيجة استبدال الغطاء النباتي بالمنشآت والكتل الخرسانية.

وفي ضوء هذه النتائج، أوصت الدراسة بإدماج مبادئ التخطيط الحضري المستدام في وثائق التعمير، من خلال اعتماد الأرصفة النافذة، وممرات تصريف وتدبير مياه الأمطار، وشبكات تجميع التساقطات، إلى جانب توجيه التوسعات العمرانية المستقبلية بعيدا عن المناطق ذات الإنتاجية الإيكولوجية المرتفعة.

وترى الدراسة أن هذه الإجراءات من شأنها المساهمة في الحد من الضغوط الهيدرولوجية والبيئية المتزايدة التي يفرضها التوسع الحضري على مدن شمال المملكة.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.