مناهج التأليف النفسي الصوفي بين التكامل والتواصل - بريس تطوان - أخبار تطوان

مناهج التأليف النفسي الصوفي بين التكامل والتواصل

أولا:الغزالي والتخصص النفسي

لو تتبعنا عرض كل المؤلفات الصوفية التي تطرح موضوع النفس إما كجوهر أو كأحوال وأعراض . فإن ذلك سيفضي بنا إلى ترجمة جد مطولة لها والتعليق عليها، مما قد لا يسعه المجال ، وليس من مقصدنا في المقال ابتداء.

غير أنه من المفيد الإشارة وبسرعة إلى كتاب صوفي متخصص في مجال معرفة النفس على مستوى التأليف ، والذي قد يعد من أبرز من كتب ونظر ومارس التجربة الميدانية، ليس على مستوى الصوفية وخاصة من الجانب النظري، وإنما على مستوى المتكلمين والفلاسفة والفقهاء أيضا.

إنه أبو حامد الغزالي الذي لم نكد نجد له تأليفا إلا وهو يخصص للنفس الحيز الأهم في دراسته ، كإحياء علوم الدين ، وخاصة في جزئيه الثالث والرابع . وكتاب “ميزان العمل“و “كيمياء السعادة“و “تهافت الفلاسفة ” الذي خصص فيه مسألة الاستدلال عليها كما سنرى في حينه .

أما الكتاب الذي هو أصلا موضوع لدراسة النفس من ألفها إلى يائها، فهو كتاب “معارج القدس في مدارج معرفة النفس “، والذي قد يبدو في أسلوبه أقرب إلى ابن سينا، وخاصة في كتابه “النجاة” وغيره . حتى إننا قد نجد فقرات متطابقة بين كتاب الغزالي وكتابات ابن سينا في موضوع النفس تطابقا واضحا، ربما قد وصل إلى حد التقليد الحرفي بالمعالجة الفكرية عند الحديث عن حدوث النفس وعلاقتها بالبدن ووحدتها وتكثرها[1].

كما قد نجد أيضا تشابها بين أرائهما  في كتبه الأخرى”كإحياء علوم الدين “، وبعض كتب الفلاسفة الأخلاقيين كابن مسكويه مثلا، بالتشابه عند ضرب الأمثلة حول تقسيم قوى النفس[2].

وهذا الاقتباس سيساهم في تقليل الاعتراضات على آراء الفلاسفة وعدم توجيه انتقادات عنيفة لهم[3] ،باستثناء ذلك الرد الذي تضمنه كتابه “تهافت الفلاسفة “، والذي قد دار حول إبطال قولهم :أن النفوس الإنسانية يستحيل عليها العدم بعد وجودها، وأنها سرمدية ، ولا يتصور فناؤها[4]، وكذلك في إبطال إنكارهم لبعث الأجساد ورد الأرواح إلى الأبدان[5]

هذا التوسع الفكري عند الغزالي سيعطي للدراسات النفسية نفسا مهما ،مما سيساهم في تحصيل اكتشافات علمية متقدمة في مجال معرفة النفس كاستنتاج ميداني، وخاصة بعد أن سلك المنهج الصوفي الذي وفر لديه الإمكانيات الموضوعية لكي يستفيد من رصيده النظري ويوسع دائرته بالتقعيد للمعطيات التجريبية في الحقل الصوفي، قد نجد وصفا له في كتابه “المنقذ من الضلال “وكذلك في “ميزان العمل“.

بعد مرحلة الغزالي في المجال النفسي، وأقصد المرحلة المنهجية قبل التاريخية، ستبرز مؤلفات صوفية جد مهمة قد تأخذ صورة العمق المعرفي الذوقي والسلوكي، أكثر من التنظير بالتمثيل وقياس الغائب على الشاهد، كما هو شأن المتكلمين والفلاسفة ، أو حتى بعض الكتاب الصوفية الذين يستعملون الأساليب القياسية في صياغة معارفهم والاستدلال عليها، مثلما هو عليه فن الكتابة عند الغزالي نفسه.

   ثانيا: الشيخ ابن عربي والتداخل بين النفسي والعرفاني

كنموذج على هذا الأسلوب الذوقي يمكن إدراج الشيخ محيي الدين ابن عربي الذي سبقت الإشارة إلى بعض كتبه كأبرز من طرح العرفان بلغة قد يصعب على الكثير من البحاث فهم مقاصدها ، حتى إن البعض منهم اعتبر أسلوبه من جنس أساليب الفلاسفة الإشراقيين أو الغنوصيين[6] ولربما الأفلاطونيين أيضا .

لكن واقع الأمر غير ذلك، إذ أن ابن عربي قد كان يتحدث بلغة عميقة ،عمقا عرفانيا وليس فلسفيا، وكان ينادي بالتزام الظاهر ورفض التأويل الاعتباطي أو العقلي المحض[7]. في حين سيعتبر أن أسمى درجات المعرفة هي التي يتحصل عليها العارفون بالله والتي قد تتأسس على معرفة النفس كبداية للسلوك إلى الله تعالى.

من هنا فإن خطابات ابن عربي  ستختلف ما بين كتاب وآخر بحسب المستوى الذي يروم إيصاله إلى هذه الفئة من القراء أو تلك، كما أن هذه الكتابات ستتسم بالترابط المنهجي والتصاعد المعرفي.بحيث من لم يقرأ كتاب الفتوحات المكية أو الرسائل الكبرى فقد لا يفهم المصطلحات التي وظفها في كتابه “فصوص الحكم“.

غير أن كتاب الفتوحات المكية سيبقى أهم كتبه من الناحية النفسية،نظرا لما قد تضمنه من فصول خاصة بالنفس والخواطر والإلهام ومسائل نفسية عميقة ستكون لها بعض الخصوصيات المعرفية ،ربما قد يخالف فيها بعض الآراء التي صرح بها صوفية متقدمون كالغزالي مثلا.

إلى جانب هذا التوجه الفكري الذوقي، الذي قد تميزت به كتابات ابن عربي ،سنجد أساليب أخرى تطرح مواضيع النفس بشكل مقتضب ومختصر قد يحاول فيها بعض الصوفية أن يضعوا للنفس قواعد وضوابط محدودة تبين الثوابت والمتغيرات في النفس الإنسانية وطرق التحكم فيها وملاحظة تناقضاتها وكيفية التخلص منها.

فقد نعثر على هذا المنهج بصورة خاصة في حكم ابن عطاء الله السكندري، التي تعد تراثا أدبيا راقيا، بلغة ذوقية مؤسسة لقواعد رئيسية للعمل والمجاهدة الصوفية.إذ على هذه الحكم ستبنى مؤلفات وستستدعى الآراء الصوفية السابقة للمساهمة في شرحها، وبهذا سيتم وصل الماضي بالحاضر في إطار دراسة النفس ، واعتبار معرفتها مطية لمعرفة الله تعالى.

فمن بين المؤلفات التي أنجزت بخصوص الحكم العطائية نجد شرح الحكم لابن عباد النفزي وإيقاظ الهمم للشيخ أحمد بن عجيبة وكذلك شرح الحكم لأحمد زروق .

ومن النظر في هذه الكتب وغيرها ستؤلف كتب ودراسات أخرى ،زيادة في شرح الحكم وشرح شروحها، وبهذا فسيبقى للتأليف الصوفي امتداد مستمر وخاصة في المجال النفسي، لأن الممارسة الصوفية لم تنقطع ولم تعرف توقفا وظيفيا، أو تقلصا منهجيا كما هو الشأن عند المتكلمين ومعهم الفلاسفة أو حتى الفقهاء والمحدثين كما سبق وبينا.

[1] ابن سينا :النجاة ،دار الآفاق الجديدة بيروت ص222 والغزالي:معارج القدس في مدارج معرفة النفس دار الآفاق الجديدة بيروتص65

[2] ابن مسكويه :تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ،مطبعة محمد علي صبيح 1378-1968

[3]حسين رمضان الخالدي:الأخلاق عند نابغة  العصر ،مطبعة التوفيق بدمشق 1347ص7

[4] الغزالي:تهافت الفلاسفة ص274

[5] نفس ص282

[6] النشار :نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج1ص95

[7] ابن عربي :الفتوحات المكية ،دار صادر بيروت ج1ص95


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.