ملف الهجرة بين الحسابات الانتخابية والجيوسياسة ومصالح الشعبين المغربي والإسباني (الحلقة الثانية)

عادل بنونة/فاعل سياسي ونقابي

المغرب وإسبانيا اليوم أمام مسؤولية تاريخية، ومطالبتان بأن تسألا نفسيهما سؤالا بسيطا:
هل تخدم هذه المواجهة العابرة مصالحنا؟

المغرب يحتاج إلى إسبانيا شريكا اقتصاديا وأمنيا وسياسيا قويا، وإسبانيا تحتاج إلى المغرب مستقرا وقويا ومتعاونا.
وما يجمع البلدين في مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب أكبر بكثير مما يمكن أن تخلقه أزمة عابرة من توتر.

ولهذا، فإن الحكمة ليست ضعفا، والحوار ليس تنازلا، وضبط النفس ليس هروبا من الدفاع عن المصالح.

إن القوة السياسية الحقيقية هي القدرة على حماية المصالح الاستراتيجية من الانفعال الشعبوي والتحريض.
ما يجب أن يتم فهمه هو أن ملف الهجرة مسؤولية مشتركة، وليس شماعة سياسية.

ولهذا، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على العلاقة بين الرباط ومدريد.

فالهجرة غير النظامية هي نتيجة مركبة للفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين ضفتي المتوسط، ولانسداد قنوات الهجرة القانونية، ولنَشاط شبكات التهريب.

ولا تستطيع أوروبا أن تطلب من المغرب وحده تحمل مسؤولية حماية حدود الاتحاد الأوروبي.

فالمغرب ليس مجرد حارس للحدود الأوروبية، كما أن التعاون الأمني لا يمكن أن يكون بديلا عن التنمية والاستثمار وفتح مسارات قانونية للهجرة.

إن الاتحاد الأوروبي مطالب بتوسيع فرص التنقل المهني والتكوين والعمل الموسمي والهجرة الدائرية، لأن إغلاق كل الأبواب القانونية يفتح تلقائيا المجال أمام شبكات التهريب.

وبلدنا المغرب، بدوره، مطالب بمواجهة الأسئلة الداخلية التي تغذي الرغبة في الهجرة.
وهنا نصل إلى جوهر القضية.

لا تبدأ الهجرة غير النظامية في لحظة ركوب القارب أو اجتياز الحواجز.

إنها تبدأ حين يفقد الشباب ثقته في المستقبل:

* حين لا يجد عملا.

* حين لا يرى علاقة واضحة بين التعليم وسوق الشغل.

* حين يشعر أن الفرص الاقتصادية غير موزعة بعدالة بين المجالات.

* حين تتحول الكفاءة إلى عنصر غير كافٍ أمام الوساطة والمحسوبية و«سياسة باك صاحبي».

ولهذا، فإن فشل السياسة العمومية في مجال التشغيل وإدماج الشباب يجب أن يكون جزءا أساسيا من أي نقاش جدي حول الهجرة.

فالحكومة المقبلة، المنبثقة عن صناديق اقتراع 23 شتنبر 2026، ستكون مطالبة بتقديم جواب واضح:

كيف يمكن إدماج الشباب المغربي في الحركية الاقتصادية وفي صلب المشروع المجتمعي؟

ليس باعتباره مجرد مستفيد من برامج الدعم، بل باعتباره منتجا وفاعلا ومقاولا ومبتكرا وشريكا في صناعة القرار.

إن أكبر سياسة وقائية ضد الهجرة غير النظامية ليست مزيدا من الدوريات في البحر.

إنها:

* مدرسة جيدة تضمن تكافؤ الفرص بين المواطنين.

* وتكوين مهني مرتبط بسوق العمل.

* وفرصة شغل كريمة بأجور مناسبة.

* وإدارة نزيهة تساهم في زرع الثقة بين الناس.

* وتكافؤ في الفرص في ولوج سوق العمل.

* وعدالة مجالية بين الجهات.

* ومناخ اقتصادي يسمح للشباب بالمبادرة والإنتاج.

المغرب بلد يتوفر على طاقات شبابية هائلة، لكنه لا يزال عاجزا عن تحويل هذه الطاقة إلى قوة إنتاج وإبداع ومقاولة وابتكار.

وعليه، فإن تغليب منطق المستقبل هو الخيار الأمثل في هذه الظروف الصعبة.

ربما تحتاج بعض القوى السياسية في إسبانيا إلى تجاوز استدعاء صور الماضي عند كل أزمة مرتبطة بالمغرب أو الهجرة.

فالعلاقة بين الشعوب لا يمكن أن تبنى على عقد تاريخية دائمة.

إن استحضار الماضي يجب أن يكون من أجل فهمه وتجاوزه، لا من أجل إعادة إنتاجه.

المغرب وإسبانيا مدعوان إلى مصالحة سياسية وثقافية مع التاريخ، وإلى معالجة الملفات العالقة بالحوار والتفاوض، وإلى بناء مستقبل يقوم على المصالح المشتركة.

فالشعوب التي تتصالح مع تاريخها تصبح أكثر قدرة على حماية مستقبلها.

والأجيال الجديدة على ضفتي المضيق لا ينبغي أن ترث فقط صراعات الماضي، بل ينبغي أن ترث أيضاً فرص التعاون.

من يريد الفوضى سيخسر موقعه في كتابة التاريخ

إن المستفيد الأول من توتير العلاقات المغربية الإسبانية هو كل من يربح من زراعة الخوف والانقسام والتصعيد.

فاليمين المتطرف الإسباني قد يكسب أصواتا في الانتخابات البرلمانية.

وشبكات التهريب قد تستفيد من إغلاق الأبواب القانونية.

وقد تجد أطراف خارجية في التوتر فرصة لخدمة حساباتها الضيقة.

لكن الخاسر الأكبر سيكون شعوب المنطقة.

ولهذا، فإن أفضل جواب على الشعبوية ليس الشعبوية المضادة.

وأفضل جواب على الاستفزاز ليس الانفعال.

وأفضل جواب على محاولات خلط الأوراق هو الوضوح السياسي والحوار والتعاون.

المغرب وإسبانيا أمام فرصة تاريخية لتجاوز منطق الأزمة وبناء شراكة أكثر عمقا، خصوصا في ظل حجم المصالح الاقتصادية، والتنسيق الأمني، والتعاون السياسي، والاستحقاقات الدولية المشتركة.

لكن نجاح هذه الشراكة لن يكتمل دون معالجة جذور الهجرة.

وهنا يبدأ الامتحان المغربي الحقيقي:

هل تستطيع الحكومة المقبلة أن تجعل الشباب في صلب المشروع المجتمعي؟

هل تستطيع أن تمنحه:

* مكانا في الاقتصاد؟

* فرصة في العمل؟

* صوتا في القرار؟

* وثقة في المستقبل؟

إن الشاب الذي يجد مستقبله داخل وطنه لن يكون مضطرا للبحث عنه في قارب.

وعندما يدرك المغرب وإسبانيا أن أمنهما وازدهارهما مرتبطان بالتعاون أكثر من التوتر، يمكن أن يتحول مضيق جبل طارق من رمز للحدود والخوف إلى فضاء للشراكة والتنمية والمستقبل المشترك.

فالمصلحة الاستراتيجية للشعبين أكبر من الحسابات الانتخابية، وأقوى من عقد الماضي، وأبعد من أزمة عابرة يراد لها أن تتحول إلى حريق سياسي في منطقة لا تحتمل مزيدا من الاضطرابات السياسية والاقتصادية والأمنية.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.