معالم بليونش.. الحمامات - بريس تطوان - أخبار تطوان

معالم بليونش.. الحمامات

عرفت الحمامات بالمغرب منذ العهد الروماني، وقد ذكر البكري أن بسبتة من آثار الأول بقايا كنائس وحمامات وبها حمام قديم يعرف بحمام خالد وبربضها الشرقي ثلاثة حمامات.

وقد تطورت على يد الأدارسة والمرابطين والموحدين فاكتسبت صبغة الحمام العربي الذي اشتهر في الأندلس ومنه انتقل إلى العدوة. وحمامات المغرب ولا سيما تلك التي بنيت في عهد المرينيين تمتاز هندسة تكاد تنفرد بها حمامات إفريقية الشمالية، وذلك من حيث التصميم لا من حيث ما تتسم به بعض الحمامات المشهورة من زخاريف وأعمدة رخامية وفسيفساء.

والحمامات سواء منها الخاصة والعامة المبرزة للناس كان يعتني بها في كل عهد غاية الاعتناء، فيختار لها الموقع اللائق والمواد البنائية الملائمة ويهتم بمجاري الماء ووسائل التسخين، وفي الحمامات المبرزة كان يعتني على وجه الخصوص بالمسلخ، وهو المكان الذي تتزع فيه الثياب ويستراح فيه بعد الاستحمام.

وفي بليونش كانت الحمامات من أهم المرافق التي توفرت عليها القرية، ويدل العدد الكبير للحمامات التي كانت بها على عناية أهلها بالنظافة وولعهم بها ومركزية هذا المرفق في حياتهم ومجتمعهم، وقد بلغ عدد الحمامات بالقرية على عهد الأنصاري 126 حماما، قال الأنصاري: «وعدد الحمامات بالأربعة المبرزة للناس 126 حماما، منها 25 بخندق رحمة بالقرية المتصلة بها المنسحب عليها ذيل حرمتها». وهذا العدد يشمل الحمامات العامة التي يقصدها الناس والخاصة التي تتخذ في المنازل.

ويقصد الأنصاري بالحمامات المبرزة للناس الحمامات العامة وعددها أربعة. وباقي الحمامات وعددها 122 حماما خاصة بأهلها تابعة للمنازل والدور. 25 منها في خندق رحمة، والباقي وهو 97 حماما انتشرت في منازل بليونش ومنياتها وجناتها. وقد قال الأنصاري: «بكل دار من ديار سبتة حمام ومسجد إلا القليل، ولقد كان بمنزلنا حمامان اثنان ومسجد».

وذكر ابن سعيد المغربي (685-610هـ/1286-1214م) عن أهل فاس أن غالب أعيانهم يعملون لهم حمامات في بيوتهم أنفة من الدخول مع عامة الناس(5)، وقال أيضا: «لم أر قط حمامات داخلها عين تنبع إلا في فاس». وهذه الإفادة من ابن سعيد تدل على أن حمامات بليونش كانت يجلب إليها الماء من الخارج، ولم يكن فيها عين ماء داخلها، لأن ابن سعيد قد زار بليونش كما مر ونفى أن يكون قد رأى حماما تنبع العين منه إلا في فاس.

ويمكن معرفة ما كانت عليه حمامات بليونش من خلال مقارنتها بحمامات سبتة، فقد كان عدد الحمامات العامة فيها 22 حماما، أعظمها هيكلا وأشهرها ذكرا حمام القائد، وهو القائد أبو علي ناصح الذي كان بناؤه على يديه رحمة الله عليه، «وهذا الحمام بلغ الغاية في الكبر يسع المئين من الناس، مرتفع السمك طيب الهواء، قائم على أعمدة الرخام، مفروشة بألواحه الساطعة البياض، والمسلخ متسع الساحة له بابان اثنان وسقفه قبة مرتبة متقنة على أربع حنيات، وبالصحن صهريج كبير مرتفع عن الأرض، وفي وسط الصهريج سارية محوفة فوقها طيفور من الرخام الموصوف يصعد الماء في جوف السارية إلى أن يفور في الطيفور، وفيضه يملأ الصهريج». وقد كشفت التحقيقات الأثرية ما بين سنة 2000 و2004 بسبتة عن حمام مريني، يتكون من غرفة واحدة للملابس ودورات مياه تبعها حمام بارد ثم آخر ساخن.

وقد زار أبو القاسم بن خاتمة الأنصاري (750ه/1349م) أخو أبي العباس صاحب المرية حمام سبتة فقال فيه:

حمـام سـبتة مـا إن *** يقـر عيـن الخليـل

المـاء من بحر موسـى *** والـنـار نـار الخليل

والحمامات المبرزة للناس في بليونش عرف منها واحد، وهو:

حمام نهر عنصر اللوز:
وهو الذي يسميه الناس اليوم الخويمم تصغير حمام، وموقعه عند لهاية بحرى لهر عنصر اللوز على جهة اليمين منه، وكان الماء يجلب إليه من هذا النهر. وقد بني على الشرط الذي يذكره الأطباء في ذلك. ويظهر مما بقي من آثاره أنه كان حماما كبيرا مشتملا على أعمدة رخامية وصحن وصهريج وغير ذلك. وله عدة غرف، منها غرفة المسلخ وغرفة تسخين الماء في ركنها بقايا صهريج كان معدا للماء الساخن. وقد نبت فيه العشب واعتراه الإهمال. وقد بقيت أرضية هذه الغرف على وضعها، وعند مخرج الحمام في الجهة الشرقية صهريج ماء تتصل به قناة مائية من الحمام لا زال أثرها إلى الآن. وعلى يمين الصهريج تمتد قناة يصرف فيها الماء الفاضل من الحمام ويصب في بئر قريبة منها. ينظر ذلك في ملحق الصور.

وقرب الحويمم موضع يعرف بسيدي حصار به قبر قديم، وعليه بناء تهدم سقفه وله باب يدخل إليه. وبنو الحصار من بيوتات سبتة. ومنهم أبو القاسم بن الحصار الضرير السبتي الذي روى قصة وادي الزرجون عن والد أبي البركات البلفيقي. ويحتمل أن يكون حصار هذا من المجاهدين الذين قضوا ببليونش زمن الاحتلال. والله أعلم.

ومن الحمامات الخاصة حمام المنية المرينية. وموقعه على يمين النازل في الدرج إلى البحر، ولا زالت أرضيته قائمة وبعض جدرانه، وفوقه صهريج صغير. وقد أشار إليه السراج في تاريخه.

كما كانت ثمة مجموعة من الحمامات الخاصة تفرقت في المنازل والجنات، وقد كان عدد المنازل بها 25 منزلا.

الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”

للمؤلف: د. عدنان أجانة

منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.