مساهمة أدباء تطوان في التطور الموسيقي الأندلسي لحنا وغناء - بريس تطوان - أخبار تطوان

مساهمة أدباء تطوان في التطور الموسيقي الأندلسي لحنا وغناء

بريس تطوان

1- الحاج عبد السلام بنونة:

وكما لم شمل الموسيقى الأندلسية، العلماء والفقهاء من رجال الدين والزاويا، عانقها أيضا واحتضنها بقوة رجال السياسة والفكر بتطوان، بل طالبوا بوضع هيكل مستقل لها، إذ يرون فيها ثروة إسلامية موروثة عن الآباء والأجداد بديار الأندلس، والعناية بها، من أوكد الواجبات. ولم يجمع أحد على خلاف الرأي في ذلك، خصوصا لما بدأت الموسيقى الشرقية تغزو الأسواق التطوانية من خلال الأغاني الواردة، والأفلام العربية التي كانت تعرض بالقاعة الوحيدة المخصصة للأفلام العربية (سينما المنصور آنذاك) التي شهدت ميلاد الأفلام المصرية، وواكبت عرضها طيلة فترة الحماية إلى السنوات الأولى للاستقلال، وبانتشار الموسيقى الأندلسية بتطوان، وظهور الموسيقى الغربية التي جلبها الاستعمار الاسباني على يد كبار الفنانين والموسيقيين البارعين وإدخال النوطة كمصدر رئيسي لهذه المقطوعات الغنائية، برزت أقلام مغربية من رواد السياسة الوطنية وفي مقدمتهم الحاج عبد السلام بنونة الذي كان يتوفر على تقييدات وسجلات للموسيقى الأندلسية منذ سنة 1882 ميلادية 1229 هجرية تحتوي على مجموعة من النوبات فقام يدعو إلى تسجيلها وجمع النوبات الموسيقية الأندلسية الأربع والعشرين بواسطة اللجنة العليا للآثار التاريخية والفنية التي أنشئت بقرار وزيري بتاريخ 21 رجب عام 1377 الموافق لـ 22 أبريل 1919، وعين فيه بنونة عضوا وحيدا من بين المغاربة إلى جانب الاسبانيين ايليو طوباو، والرسام الكبير ماريانو برتوشي مؤسس دار الصنائع بتطوان، وايليس درودي لاس كاخيكاس القنصل الاسباني العام بالقصر الكبير وتطوان، وإليه ينسب رياض العشاق بتطوان. وخوان سانتيش بول الماقب المحلي بتطوان آنذاك، وقد عهدت هذه اللجنة إلى الاسباني انطونيو بوسطيلو، ومن الجانب المغربي محمد الشودري (كان إمام الموسيقيين في هذه الفترة)، وعبد السلام الفقاي للقيام بمحاولة تسجيل هذه النوبات الموسيقية الأندلسية ورغم أن عملها  استغرق 9 سنوات ولم يكتمل إلا في سنة 1928 وطبعت فيما بعد في عدة مجلدات، وإن كانت محاولات أخرى قامت بعد ذلك كعمل الاسباني روميرس واللبناني نعمة الله الدحداح بوضع رسالة في النفخ بالمزمار للاسباني غاتون.

ولم يقتصر اهتمام بنونة في هذه اللجنة بجمع الموسيقى الأندلسية فحسب، بل كان لاهتمامه أيضا بجمع الموسيقى الشرقية، وقد وقفت على رسالتين متبادلتين بين بنونة وبين محمود صبري الخولي من المفوضية الملكية بمدريد نشرهما محمد بن عزوز حكيم، بمناسبة انعقاد مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة.

الرسالة الأولى: مؤرخة في 14 ربيع الأول 1349 موافق 9 غشت 1930 موجهة إلى بنونة يقول له فيها:

أحيط علم فضيلتكم أنه سيتجمع في الديار المصرية في أثناء العام المقبل مؤتمر من رجال الموسيقى والغناء والملحنين، وأثناء اهتمامي بالبحث عما قد يستفيد منه هذا المؤتمر أرشدني صديق لي في مدريد بأنكم تهتمون بأمر الموسيقى الشرقية وجمعها، ال … وأنه يساعدكم في ذلك أحد الموسيقيين الاسبانيين واسمه السنيور بوسطيلو فرجائي أن تخبروني بما وصلت إليه أبحاثكم إن كان ذلك مستطاعا. كما أرجو فضيلتكم إفادتي عمن يهتمون بالموسيقى العربية والغناء العربي لأخاطب بشأنهم معهد الموسيقى الشرقية في مدينة القاهرة العامرة ليدعوهم هذا المعهد لتشريفه في الشتاء القادم.

الرسالة الثانية: هي جواب عبد السلام بنونة لها موجهة إلى الأديب الأكرم يعقوب أفندي عبد الوهاب وكيل المعهد الموسيقى الشرقي بالقاهرة، وفي هذا الجواب إشارة إلى متضمن الرسالة الأولى لكونها تتضمن معلومات مفيدة عن عمل اللجنة العليا للآثار التاريخية التي أصبح بنونة بعد سنة 1930 رئيسا لها، تقول هذه الرسالة الجوابية:

“قبل أن اسلم مرقومكم تشرفت بجواب من مندوبية جلالة ملك مصر المعظم في مدريد بإمضاء السيد محمود صبري الخولي المحترم يستفهمني فيه عن الموسيقى الشرقية العربية الأندلسية، وما تم لنا في جمعها، فحررت له جوابا ببعض المعلومات في الموضوع، وأخبرته أن جمع الموسيقى الشرقية الأندلسية ورسمها بالنوتة قامت به جمعية المآثر التاريخية العليا التي انا أحد أعضائها. نعم كل ذلك بناء على اقتراح صدر مني وبصفتي العضوية أيضا في لجنة الفنون الجميلة كنت أساعد المعلم الموسيقى وأحضر له من يحفظون الموسيقى المذكورة حتى يمكنا من رسم جل الأحد عشر نوبة المذكورة تقريبا، ولا زلنا حتى الآن نبحث عن الباقي خشية ضياعه، على أن جل الذي في كناش الحائك الأندلسي التطواني مخرج مجموع ذلك 1100 صنعة توصلنا لرسمه، ولم يكن كله على مقتضى كناش الحائك، بل كثير مما كنا نسميه صنعة هو عند الحائك شعر سباعي، وعند المطربين الآن مستدل في شعر خماسي، وهناك أيضا في بعض الأحيان مخالفة مع الحائك في عدد أدوار الصنعة (والدور عندنا عبارة عن تكرار عدد ضربات الميزان عدة مرات) وأظن أن هذا الخلاف واقع بسبب وجود كناش الجامعي بفاس واعتماد اهالي تلك الجهات عليه أكثر من كناش الحائك، مع اعترافهم بقدرة هذا الأخير في الفن وبسلامة ذوقه، وعلى كل رأينا من المصلحة رسم كل ما تتوصل لرسمه ولو مع وجود المخالفات المذكورة، لئلا يبقى عرضة للضياع والتلف. ومما لا ريب فيه أن معهدكم هذا العلي المقدار سيجد طريقا جديدا في الفن عند استيعابكم للتراكيب الموسيقية الأندلسية وتاليف توقيعاتها”.

ويضيف بنونة في هذه الرسالة الفنية الهامة عمل اللجنة المكلفة وتسجيل النوبات الموسيقية ما يلي:

“المجموع ما دفعه العضو الموسيقي الاسباني السنيور بوسطيلو من رسوم (النوتة) إلى جمعية المآثر التاريخية بهذه العاصمة يبلغ أحد عشر مجلدا ضخما، تحتوي على المتداول بتطوان من الأحد عشر نوبة المدونة بكناش الحائك المذكور سابقا. ورغما عن كوني أعمل مجهوداتي لتقرير طبع ما انجز من الأعمال، فسوف لا أترك ما في وسعي قطع متعددة من كل نوبة لتوجه إلى المعهد بصفة رسمية، فيمكنكم بذلك أن تكونوا فكرة عن الموسيقى العربية الأندلسية التي ظلت مجهولة قرونا عند أخواننا الشرقيين”.

عن “الأجواء الموسيقية بتطوان وأعلامها”

لمؤلفه محمد الحبيب الخراز

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا