مدينة تطوان خلال القرن السابع عشر - بريس تطوان - أخبار تطوان

مدينة تطوان خلال القرن السابع عشر

بريس تطوان

نمو أرباض الموريسكيين:

لقد استقر في تطوان حوالي عشرة آلاف موريسكي، وربما بلغ عدد من استقر منهم في هذه الناحية أربعون ألفا، وبلغ عدد السكان الإجمالي في منتصف القرن ما بين اثنين وعشرين وستة وعشرين ألف نسمة، وهو عدد هام بالنسبة لهذه الفترة.

وسيظل هذا العدد ثابتا تقريبا إلى غاية الانفجار الديموغرافي  الذي عرفه القرن العشرون، وأدت هذه الزيادة في عدد السكان إلى اتساع المدينة التي تضاعفت مساحتها أربع مرات لتصل إلى حجم المدينة المحصنة الحالية. وأجبرت طوبوغرافيا الموضع السكان على بناء حيين جديدين غرب وشرق المدينة الأصيلة (البلد الحالي).

وكان أحد هذين الحيين في الغرب، وهو حي العيون، يعرف في ذلك العهد باسم رباض الأندلس أو الحي الأندلسي، أما الحي الآخر، الطرنكات، فهو يحمل إسما غير مألوف، ربما من أصل إسباني قشتالي، ويبدو تصميم الحي، وهو مثمن الأضلاع بعض الشيء، على أن موريسكيي عصر النهضة الإسبانية قد أدخلوا معهم مفهوم التصميم المدني الأمثل الذي يتعارض تماما مع النمو المرسل لحي “البلد” ومدن العصر الوسيط الإسبانية الأخرى، وتمثل الرباط بدورها نموذجا للتصميم المثمن الأضلاع الموريسكي، وهو نموذج أقرب للأصل.

ولقد أدى ازدهار التجارة والصناعة اليدوية في المدينة إلى تنظيمها إداريا واقتصاديا، كما أدى هذا الازدهار إلى استعمال جديد للمجال، وعرفت تطوان أحياء تجمعت فيها صناعات يدوية خاصة. وكانت هذه المدينة الجديدة التي يصفها رحالة نهاية القرن السابع عشر، وخاصة بيدو دو سان أولون حسنة البناء ومنفتحة غير منعزلة، وتوسعت ممتدة فيما وراء تحصينات المدينة التي أسسها المنظري، ولن تحمى هذه المدينة بسور جديد إلا في غضون القرن الثامن عشر.

وفي ميدان هندسة البناء، لازال تراث الموريسكيين غنيا، وأبرز مجموعة أبنية الطراز الموريسكي التي حوفظ عليها في المغرب توجد بلا شك في الشاون، بدورها المسقفة بالقرميد ونوافذها الخارجية، بخلاف دور المدن الأخرى بفتحها الداخلية وسقفها المستوية التي تعلوها السطوح، وتعلو أبواب الدور والمساجد حنايا نصف دائرية مع ناتئة، وتدعمها أعمدة صغرى على الجانبين، ويوجد هذا التنميق في مدينة الرباط الموريسكية وسلا كما في تطوان وكذا في المدن الصغرى في المجردة، في تونس الموريسكية، ويمكن القول أن تطوان في تلك الفترة كانت تشبه مدينة الشاون الموريسكية كما تظهر لنا اليوم.

وإذا كانت بعض مميزات هذا الطرز المعماري قد اضمحلت في تطوان، كسقف القرميد خاصة، فإن آثار الطراز الموريسكي لازالت موجودة في عدة مباني أثرية، وتشكل المساجد أهم هذه المباني وأكثرها، وكان اللاجئون قد بنوها بوفرة خمسة منها شيدت خلال السنوات الأولى في حي العيون أو رباض الأندلس، وأخرى في الحي الجنوبي، والكثير من هذه المساجد أعيد بناؤها وتنميقها من جديد خلال القرون اللاحقة، وتسطور، كما هو الشأن بالنسبة لجامع المصيمدي الذي بني في 1611 وجدد بناؤه في 1958، والجامع “الجديدة” الذي شيد سنة 1640، وجامع العيون الذي يرجع تاريخه إلى سنة 1620. وتتميز هذه المساجد بمآذنها التي لم تزخرف إلا قليلا إذا اقتصر تنميقها على أفاريز من الآجر، وزينت أحيانا ببعض الحنايا الخادعة. ويمكن مقارنة هذه المآذن بقباب أجراس الكنائس ذات الطراز المدجن الإسباني.

ويشتمل داخل المساجد وأفنيتها غالبا على أروقة نصف دائرية وليس على شكل حدوة كما هو الشأن عادة في فن العمارة بشمال إفريقيا منذ عهد المرابطين، وتعتبر الحنية الدائرية أو “الحدوة الدائرية” ميزة أساسية في الهندسة المعمارية المدجنة، أو هندسة بناء عصر النهضة الإسباني في الأقاليم الأندلسية، وهي سمة تميز فن العمارة الموريسكي في المغرب وتونس، ويمكننا أ، نجد هذه الحنية الدائرية مع ناتئة وتيجان أعمدة من طرز “طوسكاني” في بعض الدور التي ترجع إلى القرن السابع عشر، وعلى الجهة المطلة على الفناء، عادة ما تأتلف هذه العناصر الهندسية مع فن عمارة أصيل ناتج عن تقاطع حنايا الزوايا، وهو تنميق يرجع بدوره إلى هندسة البناء الإسبانية المدجنة وكذا هندسة بناء عصر النهضة الإسباني.

وتلفت الجوامع والدور النظر ببساطة هندستها وانعدام السطوح المنمقة فيها: فلا معجون مرمر منقوش، ولا خشب منقوش أو مدهون، وقليل من القرميد المبرنق. وهذه الأبنية مبلطة عادة بـ “المزيهري”، وهو آجر غير براق ومستطيل أو سداسي الشكل، وأبرز تنميق في الجوامع والدور التطوانية التي ترجع إلى القرن السابع عشر، يشكله الزليج المستورد من الأندلس أو من كاطالونيا، وهو عادة أبيض اللون ويحمل رسوما صفراء وزرقاء.

ويمكن أن نقابل سطوح هذه الأبنية ببساطة فن العمارة المدجن في إسبانيا، وهي بساطة تعكس تغييرا في الذوق راجع على الأرجح إلى ضعف إمكانيات المشيدين، خلافا لما عرفته من غنى بلاطات بني نصر في غرناطة والمرينيين في فاس والسعديين في مراكش.

وأهم جزء محفوظ من دور هذه الفترة هة مجموعة أفنية قصر عائلة النقسيس الذي يوجد خارج المدينة الأولية (البلد) غربا، بالقرب من الساحة الرئيسية أو الفدان، في ممر سمي باسم المقدم النقسيس، “زنقة المقدم”، وإلى غاية القرن العشرين، كانت الزنقة. واشتهرت قصور آل النقسيس بأنها كانت تحتوي على إصطبلات هامة لدوابهم، وعلى رياض. وتاريخ بناء هذا القصر غير معروف بالضبط، فربما تم بناؤه بعد تهديم قصر سابق سنة 1610. ولما أبيدت عائلة النقسيس في نهاية القرن السابع عشر على يد السلطان مولاي إسماعيل، منحت دورها لشرفاء وزان الذين أطلق إسمهم على هذا الدرب المأهول.

العنوان: تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية

المؤلفين: جون لوي مييج/امحمد بن عبود/نادية الرزيني

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا