مخاض عسير - بريس تطوان - أخبار تطوان

مخاض عسير

 

تستوقفنا بعض المعاملات وتدهشنا الآخرى ونتمنى لو كانت الإنسانية أساسا يبني عليه الإنسان معاملاته .. لكن هيهات! بين الإنسان والإنسانية في مجتمعي فجوة كبيرة يلزمها تشييد وإعادة بناء وتظافر للجهود.
شاهدت قبل سنة فيديو قيل أنه سجل ببرشلونة يصور رجلا يحمل طفلا على كتفيه وبعض الأشخاص يصفقون حوله بقوة ليتوافد الناس واحدا تلو الآخر وليسود صوت التصفيقات عاليا إلى أن اكتظ الشارع عن آخره قبل أن تنتبه الشرطة وتتدخل لتأخذ الطفل التائه، تصرف حضاري إنساني محظ ولا شك أن الإنسانية وحدها من جعلت أولئك الناس تلتئم من أجل شخص لا يعرفونه يثيرون انتباه أبويه ورجال الأمن، لم يروون أن في الأمر مضيعة للوقت ولا هدرا له فالانسانية بالنسبة لهم أهم من أي التزام آخر؛
الشيء الذي يكاد يتكرر أمام عيني يوميا لأشخاص ينقذون حيوانات من الموت المحقق ويمدون يد المساعدة للمسنين والعاجزين وذوي الاحتياجات الخاصة..
وكم يدهشني حال المستشفيات في الدول المتقدمة بل كم تبهرني معاملات من يشتغلون بها. ولا بد وأن كل من يقرأ سطوري اللحظة قد تبادرت إلى ذهنه يقينا إحدى تلك الصور التي تقشعر لها الأبدان، أطباء وممرضون يرتدون ثوب الرحمة ويجولون بين المرضى، يقتاتون من ابتساماتهم ويشحنونهم أملا وحبا .. وكأنهم ملائكة سخروا لأجل من خانته صحته ولجأ لهم وقت حاجته للعلاج .. يقومون بدورهم على أتم وجه ويراعون مشاعر المريض ونفسيته المتدهورة..
لينخفض مؤشر الإنسانية ونحن نقترب من هنا، ولتضع السيدة مولودها في الشارع العام أمام مبنى المستشفى بعد أن تنقلت من مدينة لأخرى أو بالأحرى من مشفى لآخر باحثة عن إنسان يرتدي وزرة رجل صحة، إنسان يطبق التعاليم الإنسانية ويضع أناه جانبا .. إنسان تنعكس حروف القسم التي أداها وهو يلج مهنة الملائكة على تصرفاته ومعاملاته…!
لتدفع الأم المنكوبة ثمن التهاون واللامبالاة ولتلامس الأرض الباردة جسد الرضيع جراء مخاض قطاع الصحة العسير.
هذه الواقعة ما هي إلا صفحة في مجلد وقائع المستشفيات بالمغرب، فبين من قضى نحبه ومن ينتظر، يرتشف الكثير طعم المأساة…
جرب فقط أن تأخذ جولة في أقرب مستشفى لتخرج منه وقد تجمدت أطرافك وذاب قلبك ألما..!
هي الإنسانية، الوحيدة المتربعة على عرش المعاملات، والوحيدة الحبلى بأسمى القيم والأخلاق ولعل أعمقها الرحمة وقد سمت لتوازي الرحمة الإلهية (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) فما بالك لو كان من في الأرض مريضا، عاجزا، مغلوبا على أمره؟
لست أعمم ولا أنكر وجود رجال صحة عظماء رحماء لكن الأمر بات يدق ناقوس الخطر حقيقة، أنهكتنا هذه الوقائع وبتنا نخاف ولوج المستشفيات خوفا من أن نكون ضحية إهمال أو خطأ طبي.

 

مريم كرودي/ بريس تطوان


شاهد أيضا