محنة صامتة - بريس تطوان - أخبار تطوان

محنة صامتة

محنة صامتة، تلك التي تعيشها بطون الفقراء وقلوب المحتاجين..
محنة صامتة، تلك التي تتأوه تحتها فئة تعيش على هامش المجتمع..
محنة صامتة، تلك التي تعرفها الأطراف المكبلة والتي لا تقوى على الحركة خارج خط الهشاشة..

كلنا نعيش اليوم ظروفا استثنائية، اختلطت فيها مشاعر لا تفسير لها.. كلنا نعيش اليوم تحت وقع صدمة نفسية .. وخوف استثنائي .. خوف على النفس.. على الأهل .. على الأحباب.. وخوف من المجهول وهذا الأخير أصعب ما يمكن أن يعيشه الانسان ..
لكن أن تعيش هذا الخوف، وأنت بداخل مأوى يخبئك من الوباء ويغطيك من برد السماء .. فأنت أقرب إلى الثراء من الغنى.. وأن تعيشه وأنت تحت لحاف دافئ ولك ما يغنيك عن التفكير في القوت والأساسيات.. فأنت أثرى من الثراء.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)، فكأنما حيزت له الدنيا، وما الدنيا!! سوى صحة ورضا وستر..!
ولعل ما ألم بنا من بلاء، هو اختبار لانسانيتنا قبل أي شيء آخر.. أن يعيش العالم بأسره ذات الظروف وأن يتساوى الفقير والغني والحاكم والكادح … أمام نفس الأزمة.. وأن يصيبنا الهم ذاته ويجعلنا سواسي دون تمييز ولا تفضيل، فتلك حكمة إلهية يستوجب سبر أغوراها ما أمكن واستخراج الدرر، والدرر فضائل حميدة تسكننا، لعل الأوان قد آن لكشف الغطاء عنها.

مقابل هذه الأزمة، هناك من لم تحيز له الدنيا، ولم يحظى بذرة ما حظيت به أنت من حظ ورزق… وإن لم تؤدي صلاتك في المسجد خلال الشهر الفضيل إثر الظروف القاهرة، ابحث عن ذات الهدوء في فرحة الأطفال ودعاء الفقراء ورحمة المحتاجين.

وأنت تتهمم من روتينك اليومي في هذا الحجر الصحي، وتعد الثواني لتخرج وتزاول حياتك من جديد، تذكر أن هناك من لا حياة لهم، وأن الحاجة تقض مضجعهم، وهذا الروتين حلم بعيد عنهم.
وأنت تتأفف لأن حالة الطوارئ الصحية هذه حرمتك من وجبتك المفضلة، تذكر أن الطعام الذي ترميه لأنك شبعت، قوت لأحدهم، وأن هناك أسرة منكوبة تعيش الجوع والفاقة معا.
وأنت تتذمر والأسباب واهية…فكر في هؤلاء، عطاءك لهم يمكن أن يغمرك بلذة لن تستشعرها إلا وأنت تشعر بالآخر وتحس بألمه وحزنه وضيق رحابة الدنيا في عيونه…

عطاءك لهم يمكن أن يبدد الخوف في قلبك، ويزرع القناعة فيك… يمكن أن يسمو بروحك ويطعمها هي الأخرى .. يمكن أن يجعل من محنتك هذه منحة لهؤلاء، ويمكن أن يسعدهم وهم في خضم المحنة الصامتة.


شاهد أيضا