محنة العاملات المغربيّات الموسميّات بإسبانيا - بريس تطوان - أخبار تطوان

محنة العاملات المغربيّات الموسميّات بإسبانيا

العاملات المغربيّات الموسميّات اللاّئي يقطفن الفراولة أو الفريز أو توت الأرض في الديار الإسبانية معظمهنّ من النساء الأمّهات، والأرامل، والعوانس، والثكالى، ينتمين إلى المناطق الهشّة في القرى، والمداشر، والبوادي المغربية التي تعرف هشاشة في بنياتها الاقتصادية، وخصاصاَ عميقاً في القدرة الشرائية لساكنتها، يتمّ نقلهنّ إلى إسبانيا للعمل في جني الفراولة كلّ موسم بعقود عمل مُحدّدة ومؤقتة، تنتهي بانتهاء الموسم الفلاحي.

حالات مُزرية وظروف قاسيّة

حالتهنّ مُزرية، وظروفهنّ مُبكية، يغادرن الوطن على مضض، ويبرحنه مُكرهاتٍ بمرارة لجلب لقمة العيش اليومي الضروري بالكادّ لسدّ رمقهنّ ورمق أسرهنّ وأطفالهن في بلدٍ جار كان له حتى الأمس القريب ولا يزال صولات وجولات، ومواجهات، ومناوشات، ومشاكسات، على امتداد تاريخه الطويل حيال بلادهنّ نظراً لما عرفته علاقاتهما الثنائية من مدٍّ وجزر، وأخذٍ وردّ، وفتقٍ ورتق، وطبخٍ ونفخ.. وعليه فإنّ جروح الماضي المشترك لم تُضمد، وقروحه لم تلتئم بعد، والسّيوف ما زالت مرفوعة إلى أعلى حتى اليوم في ما يخصّ غير قليل من المشاكل والقلاقل، والقضايا الشائكة التي لم تجد الحلول الناجعة لحدّ الآن للعديد من المعضلات التي لا تغيب ولا تعزب عن ذهن أحد، في مُستهلّها قضيّة الصّحراء المغربية أمّ القضايا الرئيسيّة وأهمّها عند المغاربة، وقضية مدينتي سبتة ومليلية السليبتين، والجزر والجيوب المحاذية لليابسة المغربية (الجعفرية وحجرة النكور وبادس، وليلي)، ومحنة استعمال إسبانيا للغازات السامّة القاتلة والقنابل العنقودية الخطيرة في حرب الرّيف التحرّرية الماجدة والتي ما فتئ أهلها يعانون من آثارها الوخيمة ومخلفاتها الضارّة، والاعتذار العلني الذي ما زال المغاربة ينتظرونه من الجارة الإسبانية عن هذا الفعل الإجرامي الآثم، الذي تستنكره وتدينه كل القوانين والأعراف الدولية الشرعية والوضعية والسّماوية، ومسألة تسوية أوضاع الجالية المغربية الموجودة في الأراضي الإسبانية منذ عقود خلت، وقضية طرد وإقصاء وتهجير قهراً وقسراً وعنوةً الموريسكييّن وإبعادهم عن ديارهم بإسبانيا، وعدم الاعتذار لهم حتى اليوم ممّا أصابهم من ضرٍّ وشرٍّ، ومآسٍ وتعذيب بمّا اقترفت أيدي ملوكهم في حقهم، وردّ الاعتبار لهم على غرار ما حدث مع الموريسكيين السّفارديم اليهود الذين اعتذرت لهم إسبانيا وعملت بلا هوادة على جبر “الضرر” ممّا حاق ولحق بهم بمنحهم الجنسية الإسبانية بمبادرة من العاهل الإسباني السّابق خوان كارلوس الأوّل، المُتنازل عن العرش لنجله العاهل الإسباني الحالي فيليبّي دي بوربون السادس.

يا أهلَ أندلسٍ لله درّكمُ..

أصحاب الحقول الشاسعة وأرباب الأراضي الواسعة، وسكان القرى والضِّيَع والمداشر والأرباض ينظرون إليهنّ كحفيدات لهؤلاء وأولئك الذين عاشوا، وأقاموا وترعرعوا لقرون طويلة في تلك الديار المترامية الأطراف بأرض شبه الجزيرة الإيبيرية، التي جعلوا منها جنة غنّاء فوق الثرىَ وعلى ظهر الأرض.. (يا أهل أندلسٍ لله درّكمُ / ماء وظلّ وأنهار وأشجارُ… ما جنّة الخلد إلاّ في دياركمُ / فلو تخيّرت هذا كنت أختاُر..) لا تختَشوا بَعدَ ذا أَن تَدخُلوا سَقراً / فَلَيسَ تُدخَلُ بَعدَ الجَنَّةِ النارُ)! أجل، ما فتئ الشعراء يتغنّون بمفاتنها، وما زال المؤرخون يكتبون عن أمجادها، وما انفكّ العلماء يفخرون بعطاءاتها، ويتباهون بإسهاماتها في مختلف فنون القول، والشعر والمعمار والفلاحة والملاحة والبستنة والسقي والريّ والفلك والرياضيات، وفى العديد من العلوم والمعارف والعرفان على اختلافها.

واليوم ها قد انقلبت الآية فإذا بنا نرى بعض أحفاد وحفيدات هؤلاء الأماجد حزيناتٍ، باكياتٍ، منكسراتٍ، مطرقاتٍ، حائراتٍ، قلقاتٍ، متوجّساتٍ، منهدّاتٍ، يتدثّرن بأسمالٍ بالية، وتعلو رؤوسَ معظمهنّ قبعات ذات تأثيرات موريسكية أندلسية تقيهنّ لفحة الشمس الحارقة وهنّ مُنحنيّاتٍ، ومقوّسات، مُنهمكاتٍ في قطف الفواكه الصغيرة الشهيّة الحلوة الرّطبة، وعندما يَعُدن إلى أكواخهن المهترئة المتهالكة، ومقرّات سكناهنّ المتواضعة بعد انصرام النهار يكون التعب قد هدّهنّ وأخذ العياء منهنّ كلّ مأخذً.

يذهبن قطعاناً زرافاتٍ ووحدانا ثمّ يُزجّ بهنّ في بطون المراكب، ثم داخل الحافلات التي تأخذهنّ الى أماكن عملهنّ في الشطّ الآخر من البوغاز، يعملن في ظروف صعبة عسيرة، وفى ملابسات عويصة غير يسيرة، وقد تركن في بلدهنّ الأمّ فلذات أكبادهنّ، وأهلهنّ، وأبناءَهنّ، وبناتهنّ، وأقاربهن، وجيرانهنّ والوطن الغالي العزيز.

معاناة يومية

وكانت جريدة “الباييس” الإسبانية (الأوسع انتشاراً في إسبانيا) قد نشرت تقريراً مؤثّراً عن الظروف الصعبة التي تعيشها العاملات الموسميات المغربيات في إسبانيا، وقد أبرز التقرير المعاناة اليومية القاسية المتوالية لهنّ بمزارع حقول الفراولة فضلاً عن المعاملات المُجحفة، والاعتداءات الجنسية التي تعرّضن لها.

وقد وصف هذا التقرير طبيعة العمل التي يقوم به العاملات الموسميات المغربيات بمزارع الفراولة بالجحيم الحقيقي، ممّا أفضى بمعاناتهن للخروج إلى النور، وفتح المجال لهنّ لتقديم شكاوى إلى “نقابة العمّال الأندلسية”، التي لم تتأخّر ولم تتوان في دقّ ناقوس الخطر، حيث عملت على توثيق شكاويهنّ عن الحالة المزرية التي يعشنها والتظلّم الذي لحق بهنّ.

كما عملت صحيفة “إلباييس” على نشر شهادات مؤلمة لإحدى العاملات المغربيات الحوامل، التي روت تعرّضها لاعتداء جنسي من طرف صاحب العمل دون أن تتمكن من التصريح بذلك للشرطة الإسبانية لخوفها من العواقب التي قد تطولها، حيث أشارت إلى تهجّم أحد المسؤولين بالحقل عليها بمقرّ سكناها بدون استئذان.

وهكذا مرتّ بهنّ الأيّام منسابةً كلمىَ ثقيلة وئيدة روتينيّة رتيبة متوالية.. وكان الأمس عندهنّ يشبه اليوم، واليوم يضاهي الغد.. وهكذا عشن على أمل العودة والرجوع الى حُضن الوطن الحنون ولكن الأوبة تطول وتطول وتطول… فقد صادفهنّ انتشار وباء الجائحة اللعينة لفيروس كورونا في مهاجرهنّ، وامتلأت قلوبهنّ بالرّعب، والهلع، والفزع، والذعر، والقلق، والضجر، والملل، وأضحى حلم العودة إلى ديارهنّ نائياً بعيداً.. فأصبحن كباقي وكسائر إخوانهنّ وأخواتهن من المغاربة والمغربيات الذين واللاّئي علقوا وعلقن على مضض في مختلف بلدان الله الواسعة، ويزداد الليل حلكة، والظلام سواداً في أعينهنّ، ويغدو النهارُ لظىً حاميَ الوطيس، وتصبح الأيام عندهنّ شهوراً، والشهور ردحاً ممطوطاً من الزّمن الطويل العنيد الذي لا يني ولا ينتهي.

تدخّل مُقرّر الأمم المتحدة

وبعد أن تسرّبت – كما رأينا فيما نشرته “الباييس” الإسبانية آنفاً- عنهنّ أخبار لا تسرّ الخاطر، من تطاولاتٍ، وتهجّماتٍ، وهتكٍ للأعراض واعتداءاتٍ جنسية طالت بعضهنّ قهراً وقسراً دعت العديد من الجمعيات الحكومية وغير الحكومية في المغرب وإسبانيا وفى جهات أخرى من العالم إلى دحض وإدانة هذه الأعمال المشينة التي لم تكن في حسبانهنّ، حتى بلغ الأمر بالأمم المتحدة إلى التدخل بعد أن ذاعت وانتشرت الأخبار عن الظروف السيّئة، التي تعيشها العاملات الموسميّات في حقول الفراولة بشكلٍ خاص في (إقليم وِيلْبَا) جنوب اسبانيا فوجّه المنتظم الدولي (الأمم المتحدة) انتقاداتٍ لاذعة لإسبانيا في هذا الخصوص، حيث كان السيد (أوليفيه دي شوتر) الذي يعمل مقرّراً للأمم المتحدة الخاص المعنيّ بالفقر المُدقع وحقوق الإنسان، قد أشار في رسالة صادرة عنه في 25 من شهر يوليو الفارط، 2020 إنه: “يتعيّن على الحكومات المحلية الإسبانية أن تحسن على الفور الظروف المُؤسفة التي يعاني منها العمّال المهاجرون الموسميّون في الأحياء الفقيرة حول حقول الفراولة في إسبانيا قبل أن يموت الناس هناك”. وأكد المقرّر الأممي في السّياق ذاته أنه على “الإدارات المحلية وأرباب العمل والشركات التجارية أن تبحث بشكلٍ عاجل عن إيجاد الحلول الناجعة لإنهاء الأوضاع المتدهورة التي يعيش في كنفها العمّال الزراعيّون الموسميّون”. وجاءت هذه الانتقادات الأممية العلنية لإسبانيا بعد سلسلة من الحرائق التي شبّت في بيوت العمال الموسميّين العاملين في ضيعات حقول الفراولة بإقليم (وِيلْبَا) الإسباني.

جهود الدولة في العودة إلى أرض الوطن

ولقد رأينا مؤخراً وصول الأفواج الأولى من هؤلاء العاملات المغربيات الموسميات من إقليم ويلبا الإسباني على ظهر سفن كبرى إلى مينائيّ طنجة المتوسط وبني انصار الناظور. ووصل عدد الفوج الأول منهنّ 1200 عاملة موسمية، من بين مجموع ما ينيف على 7100 عاملة سيتمّ نقلهن تدريجياً على متن ستّ رحلات بحرية وفّرتها لهم الدولة المغربية.

ويشير أحد المسؤولين المغاربة في هذا الصدد إلى أنّ هذه العمليات “تهمّ استقبال مجموعة من المواطنات المغربيات اللواتي كنّ في إطار العمل الموسمي بإسبانيا، واللاّئي بقين عالقات لمدة تجاوزت مدة إقامتهن نظراً للظروف الاستثنائية الصعبة المرتبطة بجائحة كورونا “. وأضاف المصدر نفسه: “أنه قد تمّ توفير جميع الوسائل اللوجستيكية والبشرية بهدف توفير النجاح لهذه العمليات، في إطار مراعاة التدابير الصحية الجاري بها العمل، حيث تم إجراء اختبارات “بي.سي.إر” والاختبارات المصلية لفائدة جميع العاملات المغربيات الموسميات، بهدف الحفاظ على صحتهنّ وسلامتهنّ مع الأخذ بعين الاعتبار الشروط الاحترازية التي ينبغي مراعاتها عند عودتهنّ إلى المغرب.

هذا – كما يبدو للعيان – شيء محمود ومشهود، ومشكور ومبرور ولا شكّ في توفير جميع التدابير والإجراءات الضرورية لسلامة عودة هؤلاء المواطنات إلى أرض الوطن بعد المعاناة المتفاقمة التي عانينها خلال تواجدهنّ في الديار الاسبانية من كل نوع حتى تطلّب الأمر تدخّل الأمم المتحدة – كما رأينا آنفاً- لمطالبة إسبانيا بتوفير الظروف الحسنة لتلك الفئات الهشّة من المجتمع اللاّئي يعانين الفقر المدقع، والعوز والخصاص سواء في البلاد التي قدموا منها أو في تلك التي انتقلن للعمل الفلاحي الموسمي بها.

وبناءً على ما سبق فقد قرأنا العديد من التعاليق المتوالية التي تناقلتها مختلف وسائل التواصل الاجتماعي في هذا القبيل، خاصّة التعاليق التي نُشرت في ذيل المقال الذي نشرته “هسبريس” مؤخراً حول هذا الموضوع، استنكر فيها أصحابها عملية مشاركة هؤلاء العاملات المغربيّات الموسميّات في الأصل في هذا النوع من العمل المُزري الذي يلطّخ سمعة البلاد، ويشوّه صورتها ويوحي وكأنّ الأمر يتعلّق ببلدٍ غارقٍ في براثن الفاقة والاحتياج والعوَز، وطالب غيرُ قليلٍ من هؤلاء المعلقين بوقف هذه العمليات وجعل حدٍّ لها والتي وصفها بعضهم بـ “المهزلة”، فلعلّ أصحابَ الضمائر الحيّة من أثرياء هذا البلد الأمين الميسورين يفتحون أبوابَ مَعاملهم، ويشرعون مداخلَ مصانعهم، وحقولهم ومزارعهم وضيعاتهم لأمثال هؤلاء الغارقين، والغارقات في بؤس الفقر وبؤر الخصاصة صوناً ومراعاةً لسمعة البلاد وحفاظاً على ماء وجهها وهي ذاتُ التاريخ المجيد، والماضي التليد.

*كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم بوغوطا كولومبيا


شاهد أيضا