ماذا الآن؟ قراءة في نتائج انتخابات مجلس النواب ومآلاتها

ماذا الآن، بعدما ظهرت نتائج انتخابات مجلس النواب المجراة في الثالث والعشرين من شتنبر 2026 واتضحت الرؤية حول خريطة أصوات الناخبين المغاربة بما لها من إشارات خجولة للرغبة في التغيير (صعود مراتب العدالة والتنمية وفدرالية اليسار نموذجين) وما عليها من ضعف أو هزالة بيّنة في نسبة المشاركة التي بلغت 38% من أصوات الناخبين _الذين لم تلغ أصواتهم بناء على النظام الانتخابي الجديد_ بينما تقدّر نسبة المشاركة الفعلية المبنية على قاعدة السكان المؤهلين للتصويت (26 مليون مغربي 16 مليون منهم فقط مسجلون في اللوائح الانتخابية) بما يقل عن 25%…

ماذا الآن، بعد أن تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات _كما كان متوقعا منذ وفود أو إيفاد شخصية السيد فوزي القجع إلى الحزب قبيل تاريخ الانتخابات بما تحبل به تلك الشخصية من حمولة مؤثرة في الرأي العام نابعة من شعبيته عند عامة الناس وتقديرهم لتفانيه ومساهمته في تحقيق الإنجازات الكروية الخارقة التي حققتها بلادنا مؤخرا بتوجيه سام من الملك محمد السادس الموقر حفظه الله; وكذلك من الرضا والعناية المرعيتين اللذان يحظى بهما عند “أخصّ الخاصة” في عالم الإدارة والتسيير_ وأصبح هو القوة السياسية الأولى في البلاد بفارق بارز عن باقي الأحزاب التي تليه في المراتب الثانية والثالثة والرابعة في المقاعد في الأصوات…

ماذا الآن بعدما سقط حزب الأحرار الذي كان يقود الحكومة من المرتبة الأولى إلى المرتبة الثانية والثالثة حسب عدد الأصوات دون أن يتهاوى _ولو أنه فقد قرابة 35% من المقاعد و40% من الأصوات التي حصّل عليها سنة 2021_ فهذا تعبير واضح على توجّه الناخبين المغاربة إلى معاقبة هذا الحزب بسبب بعض الأخطاء أو الاختلالات وحتى التجاوزات التي اشتبه بها بعض وزرائه ومسؤوليه النافدين لا سيما ما يعرف بقضية الفراقشية وقضايا أخرى مشهورة ومعلومة….

ماذا الآن، بعد أن نجا حزب الاستقلال من السقوط الكبير متحصنا ببنيته التنظيمية شبه المتراصة ونفاذه الترابي العميق في مجموعة من الجهات لا سيما في جهات الصحراء المغربية وغيرها وبديناميته الفكرية المتجددة التي حاول من خلالها الإجابة على أهم انشغالات وحاجيات المواطنين دون أن يستطيع تحقيق اختراق ملموس في النتائج في ظل ضعف المشاركة الانتخابية وهزالتها كما قلنا سابقا…

ماذا الآن، بعد أن عادت العدالة والتنمية لتبرز في المشهد السياسي المغربي بصفتها قوة سياسية ذات مشروعية انتخابية معتبرة تستمد حضورها المستمر لغاية اللحظة السياسية الراهنة من تماسك جهازها التنظيمي وتجانسه مع ذراعها الدعوي أولا وكذلك بفضل استحلاء جزء جمّ من المغاربة لخطاب زعيمهم شبه الروحي الأستاذ الظاهرة عبد الإله بنكيران الذي يشفي غليلهم في كثير من المواضيع الشائكة التي تثير اهتمامهم من قبيل قضيا الهوية والتطبيع والعلاقة مع المخزن دون أن يقدم في أي منها مواقف واضحة أو حلول موضوعية تتماشى مع الواقع وإكراهاته، فهو خطاب شعبوي تعوّدنا على سماعه في فترة سابقة وأسفر ما أسفر عنه من أخطاء تدبيرية جسيمة سقط فيها الحزب _حسب نظري المتواضع_ حين ترأس الحكومة منذ سنة 2012 إلى غاية 2021 بما لها وما عليها، لذلك فأنني أتطلع لأن يقوم حزب العدالة التنمية الحالي بتجديد قيادته وتنقيحها بوجوه تفهم لغة العصر وتتعايش مع مستجداته الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية.

ماذا الآن، بعد أن همدت طبول الحرب التي ملأت الأحياء والحقول وشاشات الهواتف بهديرها خلال الحملة الانتخابية وتبدلت مواقع بعض الأعداء إلى أصدقاء والخصوم إلى حلفاء…

ماذا الآن، بعد أن يقوم الملك محمد السادس الموقّر حفظه الله بتعيين رئيس/ة الحكومة المقبلة من حزب الأصالة والمعاصرة حسب مقتضيات المادة 47 من الدستور ويفتح باب التفاوض مع الأحزاب السياسية لتشكيل الأغلبية البرلمانية والحكومية وما يقتضيه ذلك التفاوض من تقدير للمسؤولية الجسيمة والآمال الواسعة المنتظرة من الحكومة المقبلة في ظل الأوراش الكبرى المفتوحة التي يجب أن تستمر بنفس الوتيرة وأكثر والتحديات العظيمة التي تواجهنا على مستوى التشغيل واسترجاع ثقة الشباب وإصلاح منظومة التعليم والصحة والبحث العلمي ومحاربة الفساد وتضارب المصالح…

مهما كان ومهما كانت الاختيارات والمآلات المستقبلية، فإن الخريطة الانتخابية الحالية تجعلنا مطالبين _قبل الخوض في الحرب الهادئة المرتقبة للتحالفات_ سواء كنا مثقفين أو مسؤولين أو مجرد متتبعين للشأن العام بأن نقف وقفة تأمل عميقة ولو لحظية في قراءة النتائج المحصل عليها وما يستشف منها من نزعة سياسية عامة نحو التغيير، ولعل التغيير الأقل الممكن والمستحب في ظل الخريطة الحالية هو أن لا يتم إعادة تكرار تجربة الأغلبية السابقة والبحث عن تحالفات جديدة قادرة على أن تتبرأ من وصمة الفراقشية وما يشبهها من صفقات كانت مرتبطة بحزب بعينه، ولعل التحالف بين الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال وحزب الحركة الشعبية ولم لا التقدم والاشتراكية أو حزب آخر هو أقل الأضرار حاليا على مستوى الحلول الآنية في انتظار الخوض في الحلول متوسطة المدى التي تستوجب اعتماد الفعالية في اختيار الأطر الكفؤة والمنزّهة من الشبهة الانتهازية المرتبطة بتضارب المصالح خلال تشكيل الحكومة المقبلة التي نتمنى لها كل التوفيق والسداد شريطة أن يكون أعضاؤها مخلصون وملتزمون بأداء واجبهم الدستوري على أحسن وجه.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.