مأساة ومعاناة آل النجار وآل القادري في زمان السيبة بشفشاون - بريس تطوان - أخبار تطوان

مأساة ومعاناة آل النجار وآل القادري في زمان السيبة بشفشاون

في العقد الأول من القرن الميلادي العشرين، تحول درب الأيسر بحومة السويقة إلى مسرح جريمة بشعة راح ضحيتها الشريف سيدي عبد السلام النجار العمراني وزوجه الشريفة لالة سلامة القادري.

 

كان درب الأيسر، المقابل للحي اليهودي “الملاح” المنسوب لإحدى أعرق الأسر الشفشاونية الأندلسة يتألف في تلك الحقبة من سبعة بيوتات تتحلق حول فنائه المحمي بباب تقفل عند الحاجة: عند ولوجه على اليمن دار السيد أحمد الأيسر وهي أكبر دار بالدرب وتتوفر على ثلاثة أبواب، فمنزل الباشا المختار الهبطي، فمنزل ابن عمومته الفقيه السيد محمد الهبطي، يليه منزل أسرة بن خجو التي ما زال أحد منتسبيها يملك كشك الجرائد قبالة باب العين، فمنزل السيد عبد السلام النجار، فمنزل تتقاسمه عائلتا الصالحي والقلعي، وأخيرا عند المدخل الأيسر بيت معد للكراء تعرض لقصف الطيران الإسباني سنة 1925 سكنته أسرة التمسماني.

 

في حقبة السيبة كان الرجال يتجولون وسط أحياء المدينة بالبنادق على أكتافهم من جراء تفشي الجريمة والسرقة والنهب والاعتداء على حرمة المنازل بثقب جدرانها ودخولها من “النقبة” المحدثة.

 

أقدم السيد عبد السلام النجار، الرجل الثري المعدود من أعيان المدينة، على إدخال إصلاحات بمنزله الذي كان يسكنه صحبة زوجه وأولاده الثلاث ابنته فاطمة والمفضل وعبد الوهاب، في إحدى الليالي قرر صاحب المنزل المبيت بالسطح أمام بابه خشية السرقة ومتأبطا بندقيته “الكلاطا” بسبب استمرار الترميمات وبخاصة عدم تثبيت “الباب دالسطح”.

 

في منتصف تلكم الليلة المشؤومة، تقطن السيد النجار لركض خلف باب السطح فإذا بخادم الباشا الهبطي يداهمه بعدما تخطى أسطح ثلاث منازل، لم يتردد رب البيت في استهداف الخادم المعتدي لكن البندقية تعطلت وظلت الخرطوشة حبيستها فتفاجأ بالمجرم يستل خنجرا يطعنه في بطنه فيرديه صريعا بعد محاولة مصارعته.

 

استيقظت الزوجة على وقع الهرج فوق سقف غرفة نومها وخرجت منها إلى “النباح” تتفقد أحوال زوجها لتتلقى طعنة غادرة مميتة مكنت المجرم اللص من الهروب بعدما تعرف عليه الزوجان الحجريح والمقتولة الحامل لتوأمين.

 

رغم إصابته البليغة، تمكن الشريف النجار من حضور جنازة زوجه والصلاة عليها بالمسجد الأعظم ” جامع الكبير” وراحتا يديه راتقة بطنه المبقورة لتفادي اندلاق الأمعاء وحصر انزلاق الأمضرة ولسان قلبه اللاهج يردد “ماتت الحبيبة ديالي”.

 

بعد أيام معدودة التحق سيدي عبد السلام بزوجه لالة سلامة عند الرفيق الأعلى ودفن بمقبرة مولاي علي بن راشد تاركا في اليتم أولاده لالة فاطمة (زوج الفقيه الصالحي لاحقا) السيد المفضل وأخاه سي عبد الوهاب الذين تكلفت بتربيتهم عمتهم الجارة الساكنة على مقربة منهم بدرب سيدي بلحسن والمتزوجة من أحد الأشراف الريسونيين.

 

بعد هذه الجريمة الشنيعة هاجر أخوا لالة سلامة سيدي محمد القادري وسيدي عبد المالك إلى مدينة تطاون شأنهما في ذلك شأن العديد من الأسرة الشفشاونية التي اختارت الملاذ الآمن.

 

لم تقف محنة آل النجار عند حد القتل بل شملت الاختطاف الذي تعرض له الشاب المفضل بن سيدي عبد السلام النجار على أيدي عصابات السيبة التي غيبته شهورا قبل أن يفرج عنه ويعود سالما إلى مسقط رأسه شفشاون.

 

اصطحبه معه خاله سيدي عبد الملك إلى مدينة الجديدة حيث تمرس على التجارة قبل أن ينتقل إلى الدار البيضاء شريكا تجاريا لوالد مولاي علي الكتاني الشهير.

 

عاد سيدي المفضل إلى مدينته شفشاون حيث استقر وقضى حياته متزوجا من امرأتين لذالأولى لالة الزهرة العلمي والثانية لالة عائشة القادري بنت خاله سيدي عبد الملك.

 

على إثر وعكة صحية ألمت به سنة 1977 توجه للتطبيب بالدار البيضاء حيث وافته المنية ودفن بمقبرة الشهداء.

 

كتاب “من تاريخ شفشاون” (الجزء الأول)

للمؤلف طه بن فاروق الريسوني

 


شاهد أيضا