لهجة أهل تطوان وبعض خصوصياتها - بريس تطوان - أخبار تطوان

لهجة أهل تطوان وبعض خصوصياتها

بريس تطوان/يتبع…

واللغة التي يتكلم بها أهل تطوان، هي نفس اللغة التي يتكلم بها بقية جل أهل الشمال الإفريقي، وهي اللغة العربية الدارجة كما قلنا، إلا أن لأهل تطوان، كما لأهل كل مدينة أخرى، لهجة خاصة، إن اتحدت مع غيرها في جل كلماتها وعباراتها، فإنها قد تختلف معها في بعض الكلمات والتعابير، فتجد في تطوان كما تجد في غيرها من المدن والنواحي، كلمات وعبارات لا تجدها مستعملة فيما عداها، ويدرك هذا بسهولة عندما يعرف أن جل السكان الأصليين لتطوان، هم من المهاجرين إلى المغرب من مسلمي الأندلس، الذين حملوا معهم لهجتهم الأندلسية التي بقيت متوارثة فيما بينهم من السلف إلى الخلف، وخصوصا في الأوساط التي كانت قليلة الاختلاط بغيرها، كالأوساط النسائية أو طبقة أصحاب الحرف والصنائع والفلاحين. ويظهر الاختلاف جليا عند المقارنة بين اللهجات في مختلف المدن والقبائل والبلاد والأقطار.

ومن المعروف في التاريخ، أن تطوان قد انتقل إليها وسكن بها أفراد وعائلات وردوا عليها من مختلف المدن والقبائل العربية والبربرية من شمال المغرب وجنوبه أيضا، ولا شك أن كل أولئك قد جاءوا معهم أولا بلهجتهم وبمفردات من لغتهم، والشأن أن أولئك الطارئين على المدينة، يتأثرون باللهجة المحلية، وقد يتركون فيها من لهجتهم الخاصة أثرا كثيرا أو قليلا في نفس الوقت، فلذلك تجد في عربية تطوان كلمات بربرية، وإن كان عددها قليلا جدا بالنسبة للمفردات العربية الأصلية.

وقد هاجر إلى تطوان عدد من أهل القطر الجزائري، واندمجوا في أهلها، وخاصة في القرن التاسع عشر الميلادي، بعد احتلال القطر المذكور من طرف فرنسا، فكانت لهم أيضا لهجة خاصة، تركت شيئا من الأثر في اللهجة التطوانية.

ومما يلاحظ أن لهجة تطوان، ولو قبل الاحتلال الإسباني في عهد الحماية الأخير، كانت تشتمل على كلمات ومصطلحات إسبانية، ولعل ذلك قد دخل إليها مع المهاجرين الأندلسيين الذين وردوا عليها في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة (أوائل القرن السابع عشر للميلاد)، وربما كان بعض ذلك من أثر الاحتلال العسكري الإسباني لتطوان في القرن التاسع عشر (1860م).

إلا أن الذي يظهر، أن اللهجات الطارئة على العموم، إنما كانت تترك اللهجة التطوانية أثرا ضئيلا، حيث كانت ثم ضعفت شيئا فشيئا بموت القادمين بها، ثم بموت أبنائهم، إذ ينشأ الصغار في الوسط المحلي المحض، فينطقون بلهجته، ويتخلقون بأخلاقه، تلك سنة الله في جميع البلاد والشعوب واللغات.

على أن اللهجة التي كانت سائدة بتطوان في أوائل القرن الرابع عشر الهجري = العشرين الميلادي، قد دخلت عليها تعديلات لا يستهان بها، إذ كانت هذه المدينة في ذلك العهد، مدينة منزوية في أقصى الشمال المغربي، مطلة على البحر الأبيض المتوسط، ولم يكن يصل إليها من غير أهلها إلا قليل من الناس، فلا طرق فيها ولا سيارات، ولا قطار ولا طيارات، فلما عبدت الطرق، وارتبطت مع بقية أنحاء المغرب بالسيارات وغيرها، وزار أهلها مختلف الجهات داخل المغرب وخارجه، وتوارد عليها الأفراد والجماعات من مختلف الأنحاء، اختلط سكانها بمختلف الطبقات؛ واختلاط الطبقات كما هو معلوم يؤثر في اللغات، فتجد بها كلمات مجددة، وتسمع عبارات قد كثر استعمالها، وبذلك تتقارب اللهجات المختلفة، وهذا ما وقع بالفعل في لهجة تطوان.

ومن الطبيعي أن تختلف لهجة طبقات العلماء والمثقفين عن لهجة الأميين والأوساط البسيطة في الأمة؛ إلا أنه مع ذلك، فقد بقيت بتطوان على العموم لهجة خاصة تستحق التسجيل بما لها وما عليها، حفظا لتاريخ اللغة العربية ولهجاتها.

ولهجة أهل تطوان، كبقية اللهجات العربية في هذا العصر، لا تتقيد بلهجة قبيلة عربية دون أخرى، فللقوم لهجتهم التي يتكلمون بها على اختلاف طبقاتهم، دون أن يبحثوا عن أصلها واشتقاقها، أو عن القبائل التي كانت تتكلم بها في جزيرة العرب. هي لهجتهم الخاصة واصطلاحهم الخاص. فالذي يقول إن هذه اللفظة خطأ، أو إن هذا التركيب فيه لحن، أو إن هذا التصريف مخالف للقواعد، يكلف الناس ما لا يطيقون، ويحملهم ما لا يلزمون. على أن من يتوسع في تتبع لهجات العرب الكثيرة، يرى بينها من الاختلاف ما يهون معه ما نراه اليوم من الاختلاف ما بين مختلف اللهجات في عصرنا هذا.

ونحن عندما نتكلم عما في لهجة تطوان من قواعد وأصول، لا ندعي أن ذلك خاص بها غير موجود في غيرها من اللهجات، ولا نستغرب إذا ما وجدنا من يقول لنا إن هذا الاصطلاح أو ذاك هو بنفسه مشترك بين هذه اللهجة أو تلك، وسيعرف الكثير مما تتفق فيه اللهجات العربية أو تختلف، عندما يكتب أهل كل قطر عربي عن لهجتهم الخاصة، وتقع المقارنة بين تلك اللهجات.

وفي هذا الصدد وقفت على رأي لمؤرخ تطوان الأستاذ محمد داود، حيث يقول: (إذا وقع الكلام على مختلف اللهجات في اللغة العربية، فإنني على الأقل، من الأفراد الذين يحق لهم أن يبدوا رأيهم، ويقولوا كلمتهم في الموضوع، لأنني عرفت، بل زرت بالفعل، جل الأقطار التي تتكلم باللغة العربية، إذ أنني قد انغمست في الأوساط الشعبية في كل من بلاد المغرب والجزائر وتونس ومصر والحجاز ونجد وسوريا ولبنان والعراق، ولم يفتني من بلاد العرب إلا اليمن وبعض نواحي الجزيرة العربية، وباطلاعي على مختلف اللهجات في الأقطار المذكورة، عرفت أن منها ما يختلف عن الآخر اختلافا واضحا، لدرجة يتعذر معها التفاهم بالكلية. ومن الغريب أن أهل كل قطر من تلك الأقطار، يعتقدون أنهم هم الذين يتكلمون بالعربية، وأن غيرهم يتكلم بغيرها. ومن الطريف أنني كنت في إحدى رحلاتي ثالث ثلاثة نركب سيارة، فقال أحد الرفيقين للآخر: “مسكين، ما يفهمشي عربي”، ولم يكن هذا المسكين غيري. فقلت له بعد أن ابتسمت في وجهه: “أما العربية فهي لغتي، وأما الكلام الذي سمعته منكما، فما أظن أن له علاقة بلغتنا العربية”، فإذ ذاك اعتذار لي، وكان الرجلان من نواحي صفاقس في الجنوب التونسي).

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ.حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة


شاهد أيضا