لهجة أهل تطوان وبعض خصوصياتها (2)   - بريس تطوان - أخبار تطوان

لهجة أهل تطوان وبعض خصوصياتها (2)  

بريس تطوان/يتبع…

وبالمناسبة، فإنني أغتنم هذه المناسبة لكي أسجل أن الأستاذ داود كان رحمه الله من أكبر المدافعين عن اللغة العربية، حيث يقول: (نحن في مقدمة أنصار اللغة العربية الفصحى، لأننا نرى أنها هي اللغة التي تجمع بيننا نحن أبناء العالم العربي والعالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها، فالمحافظة على استعمالها في تآليفنا وتقاييدنا ومراسلاتنا وصحفنا وخطبنا إلخ، من الواجبات المقدسة في نظرنا، والذين يدعون للعدول عنها واقتصار كل قطر من الأقطار على استعمال لهجته الخاصة، نرى أنهم مخطئون كل الخطأ، لأنهم يريدون فصم عروة ينبغي لكل عربي أن يحافظ عليها، بل يجب عليه أن يعمل كل ما في استطاعته ليزيدها قوة ومتانة. إلا أننا مع ذلك، لا ننكر الواقع، وهو أن مختلف الأقطار العربية لا يستعملون في مخاطباتهم العادية إلا لهجاتهم الخاصة، وأحدث هذه اللهجات هي التي نريد أن نعرضها كما هي، ونقارن بين حالتها الحاضرة وأصلها العربي الفصيح، لنعرف ما عرض لها أو أدخل عليها من زيادة أو نقصان أو حذف أو إبدال أو تقييد أو إطلاق أو تقديم أو تأخير، أو غير ذلك).

فالحقيقة إذن هي أن الأساس في لهجة أهل تطوان هو اللهجة العامية ذات الأصل العربي، إلا أن هذه اللهجة قد خالطتها فعلا ألفاظ تركية مثل قولهم (البقرج) أي إناء القهوة، و (البقلاوة)، وهي نوع من الحلوى التي تعد خاصة في شهر رمضان، و (البوف)، وهو الرئة عند الحيوان، وكذا ألفاظ فارسية، مثل قولهم (البوجة)، وهي حفل العرس، و (البويا) – بباء فارسية -، وهي الخبزة الصغيرة، و (البريد) وهو نوع الإسبانية، وذلك بحكم تواجد الإسبان في تطوان لمدة نصف قرن تقريبا، وتعايشهم مع التطوانيين طوال الفترة التي كانت فيها هذه المدينة مع باقي المنطقة الشمالية من المغرب، خاضعة للحماية المفروضة عليها (1912- 1956). إلا أن هذا لا يعني أبدا أن أهل هذه المدينة يتحدثون فيما بينهم باللغة الإسبانية، بالرغم من إتقانهم لها، وإنما هي ألفاظ ومصطلحات دخلت لغتهم العربية، فأصبح استعمالهم لها وكأنها منها، دون أن تطغى اللغة الإسبانية عموما على الاستعمال العادي بين الناس كا سبق أن ذكرنا.

ولعل أهل تطوان أنفسهم، لا يحسون بأن لهجتهم مليئة بهذه الألفاظ الإسبانية التي لا يستعملون غيرها للدلالة على معانيها، وهذا هو الدافع الذي دفع بنا إلى أن نورد في هذا الفصل جردا لهذه الألفاظ – حسب المستطاع -، مع شرحها وذكر ما يقابلها في اللغة الإسبانية.

ولهجة أهل تطوان تتسم عموما بنوع من الرقة واللطف، ذلك لأنهم – وخاصة منهم المجتمع النسوي – ينطقون حرف القاف همزة، كما أنهم ينطقون بحرف الراء بكيفية رقيقة يعتمدون فيها على إخراج الحرف من مكان قريب من الحلق بدل إخراجه من طرف اللسان، وهي عادة قد يعتبرها البعض من باب البعد عن الفصاحة، إلا أنني أرى أن هذا الأمر لا علاقة له بالفصاحة أو غيرها، وإنما هو أمر واقع، ولا مجال فيه للرفض أو التنقيص أو الاستهجان، لأنه نتاج تمخض تمخض ثقافات وحضارات، وأجيال توارثت سمات لا يد لها في صنعها أو تغييرها بما لا طاقة لها به، هي أجيال نشأت في جو تأقلمت فيه مع الرقة ولنعومة ولطف اللهجة ووداعتها، فسارت على ما وجدت عليه أسلافها.

وهذا الأمر معروف جار به العمل في مختلف المناطق من المغرب، حيث إننا نجد خصوصيات ومميزات تطبع مختلف اللهجات في كل من فاس أو شفشاون أو مراكش أو وجدة أو غيرها…، ولكننا لا نرى في تلك الخصوصيات عيبا أو نقصا أو ميدانا للانتقاد، بل هو تنوع معبر عن ثقل الحضارة المغربية وغناها في مجال الثقافة والتواصل.

ومن أغرب ما تتسم به هذه اللهجة وجود الحرف الساكن في بداية الكلمة، وقد يتواصل التسكين في الحرفين الأولين أو الأحرف الثلاتة الأولى، علما بأن هذا السكون في الحقيقة إنما هو وقوف على الحرف بحركة هي بين الحركات الثلاث (الضمة والفتحة والكسرةà، وقد أطلق الأستاذ محمد داود على هذه الحركة اسم (الحركة)، فالحرف عنده إما مضموم وإما مفتوح وإما مفتوح وإما ساكن وإما متحرك.

ومن أبرز السمات التي تسم لهجة أهل تطوان، أنهم يستعملون الفعل المضارع مسبوقا بحرف الكاف (كيعمل، كندخل، كدخرجوا…)، كما يستعمل غيرها من المغاربة في ذلك حرف التاء (تيعمل، تندخل، تيخرجوا…)، ويستعمل غيرهم – وخاصة أهل المناطق الجبلية الشمالية- حرف اللام (ليعمل، لندخل، لتخرجوا…). كما أنه من المعروف عندهم أن يستبدلوا حرف التاء في الفعل المضارع بحرف الدال، كقولهم: كدخرُج (بدل كتخرُج)، وكدجلسو (بدل كتجلسو)، كدمشي (بدل كتمشي) إلخ.

ومن غرائب ما يلاحظ في كلام بعض الناس، أنهم يكثرون من استعمال عبارات أو كلمات معينة، يرددونها في أثناء كلامهم بموجب أو بغير موجب، وذلك مثل قولهم: (فهمتيني)، أو قولهم (سمعتي) أو (سمعتيني)، أو (نعم آسيدي)، أو (كيتسمى) أو (على حقي)، وفي هذا الإطار – وعلى سبيل التفكه- نروي ما يقال عن إحدى نساء تطوان، من أنها كالنت قبل أن تبدأ حديثها مع مخاطبها – أيا كان- تقول أولا: “قلت لك يِلا، وعلى حقي، نإيلاه أنا، ومن عذري، والكذوب ما كان علاش، والهدرا بزاف ما كدعجبنيشي”…، فبعد كل هذا تقول ما هي بصدده !!.

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ.حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة


شاهد أيضا