لم يفت الآوان بعد ... لا زال القرار بأيدينا - بريس تطوان - أخبار تطوان

لم يفت الآوان بعد … لا زال القرار بأيدينا

في محطة القطار، يجلس الكل برقبة محدودبة، رأس مطأطأ وعينين ثاقبتين تخترقان شاشة آلة ذكية … دخلت المحطة لأجدها ممتلئة عن آخرها، صرت أتابع مشهد (الانسان الخاضع للتكنولوجيا) بحثا عن مكان أجلس فيه أنا الأخرى قبل أن أستسلم لسحر الشاشة التي تذاكت علينا وجعلت منا أغبياء.. أخذت مكانا بينهم وضعت أغراضي بالقرب مني واعتدلت بجلستي كي أراقب المكان من حولي. اخترت في تلك اللحظة أن لا أستسلم لها وأن أستمتع بجلستي تلك وأنا أتابع المشهد وكأني ذكية وذكائي يفوق الآلة.

طعم الانتصار لم يدم طويلا، فسرعان ما مللت الجلوس وحيدة، الساعة تشير إلى دقائق معدودة قبل وصول القطار، لا مجال لإخراج كتاب اللحظة، لن تكفيني مدة قراءة أسطره الأولى حتى … وجدت نفسي أفتح حقيبتي، أضع الرمز السري وأنعزل … لأنتبه أني جزء لا يتجزأ من مشهد (الانسان الخاضع للتكنولوجيا).

في مكان آخر، دخلت عيادة الطبيب، أخذت رقما من الاستقبال وولجت صالة الانتظار، المشهد لم يختلف قط عن المشهد الأول، نفس الجلسة، نفس الهدوء، نفس العزلة … صرت أتابع المشهد من جديد لكن هذه المرة كنت أتمنى أن ينظر إلي أحدا كي أسأل أين وصل تعداد الأرقام، أطلت الوقوف، تلفت يمينا وشمالا علّني ألفت انتباه أحدهم، لكن بدون جدوى الكل كان منشغلا بعالمه الخاص، لأقرر في الأخير الجلوس دون أن أحصل على جواب، بل دون أن أتمكن من طرح سؤالي حتى … ثم ماذا سأفعل؟ لا يمكنني أن أجلس كالبلهاء أحملق في وجوه (أقصد) في رؤوس الجالسين، أخرجت هاتفي أنا الأخرى كي أقتل وقت الانتظار وسافرت إلى عالمي.

لا بد أن يحصل هذا المشهد على إحدى الجوائز العالمية، أظنه الأول عالميا بل الوحيد الذي تمكن كل سكان الكرة الأرضية من تمثيله والمشاركة فيه بعفوية واتقان ومهارة.

الانسان الخاضع للتكنولوجيا، مشهد به من الشر ما يكفي ليهدم أسرا، ويشرد أطفالا ويذيب الأواصر الاجتماعية، علاوة على ما ذكرته في الأعلى ولا أعرف ماذا يمكنني تسميته؛ ربما العزلة الاجتماعية، أو الوحدة داخل الجماعة، أو العوالم الافتراضية … ليست مهمة تسمية الحالة بقدر ما يُرعبني انخراطنا فيها واندماجنا داخلها بسلاسة ودون أي قوة ضاغطة، أو ربما هناك قوة ضاغطة تجعلنا نمشي نحو الآلة اللعينة رغما عنا… نعم هناك قوة، لا بد أن تكون، والدليل أن إحداهن قامت بنشر باقة ورود بمناسبة ما يُطلق عليه: “عيد الحب” لتخبرني فيما بعد أنها اشترتها لنفسها وقامت بنشرها وكأنها هدية من “حبيب” حتى لا تُستثنى بين صديقاتها وشهيرات العالم الافتراضي، بدعوى أن الهدايا تناسلت تباعا أمامها في ذاك العيد “السعيد” (ولأن الكل يشارك كل شيء) أصيبت بالضجر ولم تجد نفسها إلا في محل بيع الورود تقتني باقة … إذن هناك قوة ضاغطة تجعل الكل ينساق خلف الموجة، أو بعبارة أخرى يرتدي قبعة الممثل وينخرط في المشهد، يجلس جلسته ويتصرف على هواه.

ولأنه أمام القوى الضاغطة هناك حلّين: التصدي أو الانسياق، نحن نختار الأسهل دائما، الحياة تضغط علينا من كل حدب وصوب والاكراهات تعصف بنا … ولهذا لا قوة لدينا للتصدي والمواجهة ولا طاقة لنا للوقوف في حرب أمام آلة لعينة … ما بيدنا حيلة سوى الانسياق …

أراني أبرر جبننا بمبرر ضعيف، بدليل تافه وحجة واهية … الضعف نحن من نصنعه والقوة نحن من نشيدها وأمام التصدي أو الانسياق لنا دائما الخيار؛ فإما أن نكون أمة فاعلة وإما أن مفعولا بها، الاختيار لا زال بأيدينا والقرار لنا.

مريم كرودي/بريس تطوان


شاهد أيضا