كثيرا ما نردد بضيق: لماذا يرزق الله من يعصاه، بينما يضيق الخناق على من يتقيه؟ هذا التساؤل هو واحد من أقدم وأعمق التساؤلات الإنسانية التي طرأت على بال البشر منذ فجر التاريخ. هو شعور عدم الإنصاف الظاهري الذي يجعلنا نتوقف طويلا أمام مشهد شخص يتجاوز القيم والمبادئ، ومع ذلك تفتح له الدنيا أبوابها.
نرى الظالم يزداد نفوذا، والمخادع يجمع مالا، والمستهتر يعيش في رفاهية، فتبدأ التساؤلات المشروعة في زعزعة هدوئنا النفسي. لكن، إذا نظرنا للأمر من زوايا مختلفة، سنكتشف أن العطاء ليس دائماً علامة رضا.
قانون السنن الكونية (الجهد والنتيجة)
الله سبحانه وتعالى وضع قوانين في الكون تسري على الجميع. من يزرع يحصد، ومن يدرس ينجح، ومن يسعى للمال بطرق ذكية (حتى لو كانت غير أخلاقية) قد يصل إليه. الدنيا دار أسباب؛ فالسعي الدنيوي له ثمرة مادية منفصلة تماماً عن القيمة الروحية أو الأخلاقية لصاحبها.
فخ الاستدراج
هناك مفهوم عميق يسمى الاستدراج. ليس كل عطاء هو إكرام؛ أحيانا يكون العطاء هو منتهى العقوبة. حين يُفتح للإنسان كل شيء وهو غارق في الخطأ، فإنه يفقد القدرة على مراجعة نفسه، ويستمر في طريقه حتى يصطدم بالنهاية.
أحيانا يعطيك الله ليزيدك حجة على نفسك، وليس حبا في مسلكك.
نحن نرى المشهد ولا نرى الكواليس
نحن نحكم على حياة الآخرين من خلال القشور الخارجية: سيارة فارهة، منصب عالٍ، أو رحلات سياحية. لكننا لا نرى القلق الذي يسكن صدورهم، ولا انعدام البركة في بيوتهم، ولا الصراعات النفسية التي يخوضونها. الأكثر في الكمية لا يعني أبداً الأفضل في الكيفية.
الابتلاء بالخير
يعتقد البعض أن الابتلاء يكون فقط بالمرض أو الفقر، لكن الحقيقة أن الابتلاء بالنعمة أصعب بكثير. الفقر قد يجعلك تنكسر لله وتدعوه، أما الغنى مع الضلال فقد يجعلك تنسى المنعم وتطغى. فالسؤال هنا ليس لماذا أعطاهم؟ بل هل سينجون من تبعات هذا العطاء؟
الرزق ليس مقياساً للمكانة عند الله، وإلا لكان قارون وفرعون أحب الخلق إليه. المقياس الحقيقي هو البركة و راحة البال و النهاية. لا تنظر إلى ما في أيدي الناس، بل انظر إلى ما في قلبك أنت؛ فمن أعطاه الله الرضا فقد حاز الدنيا وما فيها، ومن أعطاه الله المال وسلب منه السكينة فقد خسر الكثير.
