كيف السبيل لتقوية الالتزام المجتمعي للطلبة والأساتذة والإداريين؟ - بريس تطوان - أخبار تطوان

كيف السبيل لتقوية الالتزام المجتمعي للطلبة والأساتذة والإداريين؟

قديما كان هناك شبه إجماع أن دور الجامعة هو تطوير وترقية المعرفة لا اقل ولا أكثر، لكن مع مرور الوقت وبروز متطلبات اجتماعية جد معقدة، بدأت مجموعة من المهتمين بقضايا التنمية والمسؤوليات المجتمعية يرون أنه من واجب الجامعة أن يكون لها دور فعال في المجتمع، بالخصوص في التنمية المستدامة.

وبالتالي أرى أنه آن الوقت لنجمع بين الدورين بحيث يصبح دور الجامعة هو تطوير وترقية المعرفة وأيضا يجب أن يفيض جزء من هذه المعرفة على محيط الجامعة وساكنته حتى تصبح الجامعة المغربية جامعة مواطنة ذات أدوار مجتمعية عالية يستفيد منها المجتمع المغربي، وهذا بالتأكيد سيعطي للجامعة المغربية مصداقية أكثر ودورا أعمق،

فما هي السبل الكفيلة لتفعيل دور الأستاذ الجامعي في محيطه الاجتماعي من خلال هذا الجزء من المعرفة الجامعية الذي نريده أن يفيض على المجتمع المغربي؟ وما هي السبل الكفيلة لجعل من الأعداد الهائلة للطلبة الشباب فرصة لتقديم خدمات جليلة للفلاح المغربي وللصانع التقليدي المغربي ولفقراء المغرب وللشعب المغربي بصفة عامة؟ كما أن مساهمة الجامعة في حل بعض المشاكل الكبرى والآنية للبلاد ورفع التحديات الدولية تبقى واجبا من واجبات الجامعة تجاه هذا الوطـن. لأن هذه المشاكل وهذه التحديات هي جد معقـدة ومتفرعة، ولا يمكن مواجهتها إلا بمجموعة من المفكرين المغاربة وطلبة شباب وأطر فاعلة وفعالة ومهيكلين داخل مختبرات منظمة وتسير باستراتيجيات منسجمة محليا وجهويا ووطنيا، والذين لهم غيرة على هذا المجتمع وهذا الوطن ولهم آليات البحث ومناهج علمية توازي مستوى التحديات الخارجية والداخلية.

لكل هذا وذاك أصبح أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى فتح ملف الجامعة والمجتمع والتنمية من بابه البسيط السهل والمفهوم من قبل الجميع وليس فقط من طرف النخب. وأملنا هو أن يصبح مفهوم الجامعة والتنمية ثقافة شعبية متشبع بها الجميع حتى يشعر جميع المغاربة أنهم كلهم معنيون وأنهم كلهم فاعلون وشركاء في قضايا التنمية ونتائجها وليس المفكرون والأكاديميون والمسؤولون والمنتخبون فقط .

ولقد وجدت نفسي متفاءلا لكون الجامعة المغربية يمكن أن تقدم الشيء الكثير لمحيطها الاجتماعي والثقافي لثلاثة اعتبارات:

أولا: أعتبر أن محيط الجامعة المغربية هو محيط غني خصب ومتنوع (فلاحة غنية، ومؤهلات سياحية بجميع أنواعها: جبلية، ساحلية، صحراوية، ثقافية، وصناعة تقليدية متنوعة، وبحر مترامي الأطراف على مئات الكيلومترات، ومياه عذبة وسهول شاسعة، وغابات، وعنصر بشري شاب ذكي وطموح، وغير ذلك كثير) فحظوظ الإقلاع التنموي متوفرة، لأن المحيط غني والمادة التي يمكن الاشتغال عليها موجودة، شريطة أن نحسن التعامل مع هذا المحيط. فبالطريقة والمنهجية العلمية الجامعية يمكننا استغلال هذا المحيط الغني استغلالا جيدا، يفيد الوطن والمواطنين. وربما يكون المفتاح السحري المفقود للإقلاع التنموي إذا حسنت النوايا.

ثانيا: أعتبر أن الجامعة المغربية تحتوي على خيرة مفكري البلاد من أساتذة ذوي كفاءات علمية عالية وأطر إدارية متمكنة وذات تجربة متميزة وأعداد هائلة من طلبة شباب أذكياء نشيطين ومتحمسين. فلو أتيحت لهم فرصة مناسبة وأتيح لهم فضاء مريح لاستعمال منهجية البحث العلمي لكل المشاكل الكبرى للبلاد فسينتج عن هذا الخير الكثير؛ لأن منهجية البحث العلمي في نهاية المطاف هي فهم واستيعاب المشاكل المطروحة، بعد ذلك استعمال آلة الفكر والعلم لإيجاد حل مناسب لها في جميع المواضيع التي تهم التنمية الشاملة ومستقبل المغرب والمغاربة بصفة عامة. وما أحوجنا إلى الإبداع في هذا المجال. فيجب أن نأخذ هذا الأمر بكل جدية وحزم بعيدا عن جميع الأنانيات والطموحات الشخصية.

فمن خلال تجربتي المتواضعة التي عشتها في الحياة الجامعية وفي تسيير وتدبير الشأن المحلي والعمل داخل المجال الجمعوي والحقوقي والنقابي والإعلامي تبين لي أن المجتمع المغربي لا يستفيد بما فيه الكفاية من الجامعة المغربية ومن المقاولة المغربية ومن الجماعات المحلية.

ثالثا: البنيات التحتية للجامعة من مدرجات وقاعات وساحات ومختبرات وشعب ومكتبات ومكاتب ومراكز للمعلوميات وآلات حديثة ومتطورة وغيرها بغض النظر على العنصر البشري المتواجد بها لو حسن توظيفها وجعلناها في خدمة المجتمع لجنينا من وراء ذلك الخير الكثير،
فهذه الاعتبارات الثلاث لم تدع لي عذرا لكي أفتح نقاشا صريحا حميميا وهادفا وفي كثير من الأحيان كان متعبا مع إخواني الأساتذة وغير الأساتذة ومع كل مهتم بقضايا التنمية بالمغرب، وكذلك مع الجمعيات غير الحكومية والهيآت التي تمثل بعض القطاعات كالمناطق الصناعية والمقاولين والمنعشين العقاريين والمنتجين والصناع التقليديين والمستثمرين في المجال السياحي المسؤول والطلبة وكل من له تأثير مباشر على محيط الجامعة، لكي نلامس جميعا ومعا المفاتيح الحقيقية لتنمية واعدة وشاملة ومستدامة تنسجم مع الواقع المغربي وطبيعة المغاربة والدور الحقيقي والعملي الذي يمكن أن تلعبه الجامعة المغربية في هذا الاتجاه. وقد دونت كل هذه الخلاصات في كتاب ألفته سنة 2005 يحمل عنوان “الجامعة والمحيط ورهان التنمية” وهناك عنوان هامشي “تحديات التنمية بين الجامعة والجماعات المحلية والمقاولة المغربية.

فكيف السبيل لتقوية الالتزام المجتمعي للطلبة والأساتذة والتقنيين؟

1) على الكليات المتخصصة في العلوم الإنسانية أن تطور أداءها في التعامل مع الثقافات المحلية وتراث المجتمع المغربي. فالآن نتحدث عن اقتصاد الثقافة وصناعة الثقافة فهناك بعض الاحصائيات المذهلة التي تبين أن الثقافة بدأت تدر دخلا كبيرا للمجتمعات المحلية، وتساهم بشكل كبير في التخفيف من الفقر والهشاشة،
2) تجربة معارض الصناعة التقليدية والمنتوجات الفلاحية المجالية للتعاونيات داخل المؤسسات الجامعية أعطت نتائج طيبة وجعلت الطالب يتعرف على الفلاح المغربي والصانع التقليدي المغربي والعكس أيضا، كما أنه يمكن جعل الطلبة والأساتذة وأطر الجامعة زبناء مخلصين دائمين للصانع التقليدي المغربي والتعاونيات الفلاحية المغربية وكل منتوج مغربي أصيل، فكيف يمكن تنظيم هذه المعارض والاستفادة منها،
3) الأبحاث والتحليلات التي توفرها المختبرات داخل الجامعة يجب أن تستفيد منها التعاونيات المغربية
4) التكوينات الجامعية يجب على عدد كبير منها أن تصب في تطوير قدرات الجمعيات والساكنة المحلية سواء تعلق ذلك بتنمية المجال كتطوير المنتوجات المجالية والسياحة الإكولوجيا والتنوع البيولوجي وغيرها، أو خلق تعاونيات قوية بتدبيرها العلمي وحسن جودتها وتسويقها بالتكنلوجيات الحديثة المتطورة،
5) نوادي الطلبة داخل الجامعات يجب أن تلعب دورا كبيرا في التخفيف من الفقر في العالم القروي والعمل على مساعدة الفآت المهمشة ومساعدة المتضررين من الكوارث الطبيعية والحرائق وغيرها والاشتغال داخل الأحياء الصعبة لانقاد ما يمكن إنقاذه من مواهب وابداعات حتى لا تلتحق بالتطرف والمتطرفين،
6) على النوادي الطلابية أن تبرز لنا أبطالا في المجال الرياضي والفني وتهيأ لنا رياديين وقياديين في المجال التنموي وغيره
هناك بعض الحقائق التي يجب الاعتراف بها والتي لاحظتها بوضوح في هذا النقاش وتهم الجامعة المغربية بصفة عامة ومحيطها والعلاقة بينهما في الواقع المعاش. لأن المنطلاقات الصحيحة والمبنية على ماهو واقعي تؤدي إلى نتائج صحيحة وواقعية.
الحقيقة الأولى: الجامعة المغربية لم تستطع لحد الآن استيعاب محيطها ومشاكله الحقيقية؛ كيف يفكر هذا المحيط؟ ماهي أولوياته واهتماماته؟ وماهي حاجياته من الجامعة؟. كما أن هناك عديد من الأساتذة لهم قناعة راسخة أن الجامعة ليس دورها تشغيل الشباب والاهتمام بمشاكل تنمية محيطها.
الحقيقة الثانية: هذا المحيط بصفة عامة، ليست له مقاييس ومعايير واضحة ومضبوطة حتى يمكن التعامل معها. كما ينظر إليها نظرة دونية. فهو لايشركها مشاكله ولا يسمح لها بالإطلاع على ما يقوم به ولا ما يفكر فيه. ولا يثق في إمكانياتها وكفاءتها.
الحقيقة الثالثة: الكثير من المقاولين ورجال الأعمال خيبوا الآمال ولم يقوموا بواجبهم كما كان منتظرا منهم اتجاه الإنسان المغربي.
هذه الحقائق الثلاث يجب وضعها بعين الاعتبار، لأن تجاهلها أو عدم الاعتراف بها أو اعتقاد عكسها يوقع في تناقض كبير بين الخطاب النظري والممارسة الميدانية. وبالتالي فهذا التجاهل وعدم الاعتراف يصبح بحد ذاته من المعوقات الرئيسية التي تحول بين الجامعة ومساهماتها في التنمية. يجب هنا أن نفرق بين مساهمة الجامعة في التنمية ودور الجامعة.

فالأسئلة التي تتحدانا اليوم والمطروحة علينا بكل إلحاح هي:
1) كيف يمكن للجامعة أن تستعيد ثقتها من محيطها وتصبح مؤثرة فيه وتقدم خدمات جليلة للمجتمع المغربي؟
2) كيف لهذا المحيط أن تصبح له مقاييس ومعايير واضحة المعالم حتى يمكن للجامعة أن تساهم في تنميته؟ وهل للجامعة دور في تعديل وتصحيح هذه المعايير حتى يصبح هذا المحيط في وضع حقيقي يتلاءم والمناهج الجامعية؟.
3) هل يمكن فعلا للجامعة أن تبدع إقلاعا اقتصاديا يحسن الوضع المادي والمعنوي للفرد المغربي ويساهم في رفاهية الوطن والمواطنين؟
4) هل هناك أمثلة واقعية يمكن اتخاذها كنماذج والتي يمكن للجامعة أن تلعب دورا حاسما في تطويرها وترقيتها؟.

محاولة الجواب عن هذه الأسئلة وغيرها سيساعدنا على تحقيق أهداف كبرى يمكن اعتبارها خطوة أولى تنتظر خطوات أخرى من أشخاص آخرين مهتمين بقضايا التنمية النافعة ويحبون التبسيط والتوضيح والتسهيل.

 

 

 


شاهد أيضا