كورونا :هل بمكرنا أم بخير الماكرين؟!! - بريس تطوان - أخبار تطوان

كورونا :هل بمكرنا أم بخير الماكرين؟!!

أولا: كورونا و توحيد الأمم “ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ

تعددت الفرضيات وتنوعت الوصفات وتداخلت الأعراض حول هذا الداء المفاجئ الذي أقض مضجع البشرية جمعاء ووحد صفوفها وغرائزها ومخاوفها ومحاذيرها وحرك فيها غريزة البقاء التي هي الأصل في وجودها واستمرارها ،فكان الخوف موحدا لدى الشعوب من الفناء والموت المحقق كتوقع قريب يحوم حولهم ولا يميز بين زيد وعمرو ولا بين غني وفقير ولا بين حاكم أو محكوم… فعبروا،شعروا بذلك أم لم يشعروا،عن حقيقة انتمائهم وصلتهم ببعضهم  البعض كوحدة جنس وعنصر ومآل كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم :” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا”.وكما عبر عنه خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:”كلكم لآدم وآدم من  تراب”.

فبعدما كان العالم يعيش كذبة العولمة ومزاعم التواصل الشامل والتبادل التجاري الحر ونقل الثقافات ،حيث السم في الدسم والاستغلال من الماكر للممكور به، وزعزعة الاستقرار في الدول المتخلفة أو المتعارضة مع الطرح، جاء فيروس كورونا ليؤكد على ضرورة مراجعة هذه المزاعم وإعادة الأمور إلى نصابها وكشف النوايا والأهداف وغربلة الصادق من الكاذب.

فأول ما سمع انتشار الفيروس بالصين حتى هبت الدول كبرى والصغرى والمستقلة والتابعة إلى شن مقاطعة وحجر صحي على مليار وأكثر من البشر تاركينهم وشأنهم يتحملون مسؤوليتهم ومنتظرينهم أن ينهاروا وينهار معهم اقتصادهم ،حيث فرص الثعالب والمتربصين والمضاربين على حساب أرواح البشر ومآسيهم وتعاستهم لكي ينهشوا ويفترسوا ويفترشوا وينتشوا.

لكن الرياح قد جرت بما لا تهواه السفن، وتبين أن العملاق الحقيقي هو الذي يستطيع التحكم في توجهها وطفوها لأنه واضع رجله الطويلة على اليابسة ولو في عمق لجي المحيط ،فكابدت الصين لوحدها وكابد معها شعبها وتوحد شيوعيوها مع بوذييها ،ومسلموها مع مسيحييها، ومدنيوها مع عسكرييها وحاكموها مع محكوميها حتى أوصلوا السفينة إلى شط النجاة أو كادوا.

في حين قد بقي الآخرون في تفرج وانتظار الأسد أو التنين الجريح متى يسقط وتنطفئ شعلته وتموت معه كورونا وتوابعها إلى أن باغتتهم وهم نائمون غافلون ساهون، وساهرون على اللهو والترفه والتفكه.وكان على رأس المتفرجين هذا العملاق الوهمي الأمريكي الذي دوخ الدنيا بمزاعمه ودعاويه في التفوق والعنهجية والقوة حتى باغته الأضعف ما في خلق الله والذي لا يرى بالعين المجردة ولا يمكن تدميره بالصواريخ والطائرات الفائقة السرعة والرادارات والأقمار الاصطناعية وما إلى ذلك اسمه فيروس كورونا المستجد.

نسي هؤلاء وأولئك أننا في عولمة حقيقية لا مصطنعة ولا مستغلة ولا مميزة مصداقا لقول الله تعالى :” الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ، كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”.

هذا المشهد البشري العالمي المتسم بالتفرج على الآخر وانتظار وقوعه ودماره لنهشه واستغلاله قد تكرر كثيرا في زمننا الحاضر وما يزال كمثال العراق وسوريا وليبيا وبلدان أفريقيا وغيرها،ولكن مكر البشر قد يكون نحو الشر بينما مكر الخالق سيكون نحو تعميم الخير سواء للممكور به أو الماكر :” وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”.

ثانيا: التجليات الدينية وترسيخ الثوابت في زمن كورونا

وسواء فرضنا أن انتشار فيروس كورونا قد كان بسبب موضوعي وسوء تغذية عند الصينيين كما يزعم الكثير أو أن المسألة مفتعلة وحرب بيولوجية جرثومية شنتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد الصين لكي تنهك اقتصادها وتسحق منافستها لها ،وهذا احتمال لا يمكن الجزم به،أو قد يكون هناك طرف ثالث ،فإن الأمر فيه حكمة ربانية ودرس عقدي وأخلاقي للبشرية جمعاء لكي تعيد حساباتها وتراجع غرورها وأهواءها وتعترف بعجزها حتى لا تقع بالجملة في الهاوية التي لا يجدي معها لقاح ولا مضادات حيوية أو وقاية.

وقد تجلت هذه الحكمة في خدمة الجانب الديني من حياة الإنسان المعاصر والذي قد طغت عليه الماديات إلى حد التخمة القاتلة والقلق والخواف والرهاب من كل شيء ومن لاشيء على حد سواء.يقول الله تعالى في أصدق وصف وتحليل:” إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ، إِلَّا الْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ،وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ، وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ”.

وقد تجلى هذا الهلع والجزع خصوصا في ذلك التهافت الشامل عبر الدول على المواد الغذائية والمقتنيات الشخصية بالجملة ومن دون تردد ،خوفا من الجوع والحاجة وسعيا إلى الادخار والاحتكار غير المبرر في ظرف مثل هذا.بحيث هنا نجد الفراغ الروحي وضعف التربية وغياب التوكل على الله تعالى والخوف المبالغ فيه من الموت على مستوى الحرص الشديد ،بينما الموت كما ذكر الحديث النبوي هو دائما حولنا وأقرب إلى أحدنا من شراك نعله سواء كانت كورونا موجودة أو مفقودة !.

كما أن الغريب ما في الأمر هو هذا الإسراع نحو اقتناء مواد الاستهلاك في مواجهة الهلاك !!! وهذه مفارقة عجيبة وغريبة ومناقضة لطبيعة البشر الحقيقيين والمتسامين بفكرهم وعقيدتهم وعفتهم.فتبين أنهم “لا يخافون فعلا من كورونا بقدر ما لا ينامون حتى يملؤوا البطونا“،إذ عوض أن يقللوا من الاستهلاك ويعلموا أن “المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء“كما نص عليها الإسلام والطب لجؤوا إلى الإفراط في الاقتناء من المواد التي ربما قد تكون هي نفسها سبب تسهيل انتقال العدوى وسرعة انتشارها.

ثالثا: محاصرة كورونا بين الوقاية الصحية والدعامة الروحية

ولقد كان الأولى بهؤلاء في هذه الظروف أن يسارعوا إلى الصدقات ومساعدة الفقراء، وصلة الأرحام ولو بالهاتف فقط ،التي بها قد ينسأ الله الأعمار ويزيد فيها كما ورد،وأن يكثروا من الذكر وتلاوة القرآن والدعاء والتضرع إلى الله تعالى برفع هذا البلاء عن العباد والبلاد وسائر الشعوب والمعمور:” قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا”.

ولربما قد كان الرئيس الصيني واعيا بهذه المسألة لما بادر،حسب بعض الفيديوهات إن صحت، إلى زيارة مسجد للمسلمين بالصين عند ذروة انتشار الوباء ،طالبا من المصلين بأن يرفعوا أكف الضراعة إلى الله تعالى لكي يرفع عنهم هذا البلاء،ولربما أيضا قد تكون هذه الزيارة، مع ما اتخذوه من تدابير علمية وعملية، هي السبب الحاسم في إيقاف هذا الكابوس عن أهل الصين ،حتى وإن كان أغلبهم غير مسلمين  ولكن مضطرين،إذ دعوة المسلم تشمل الخلق أجمعين :” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ “.

وكأن المسألة في تحريك هذا التهافت الاستهلاكي مبرمجة إعلاميا واقتصاديا وسياسيا في الظلام، من أجل التربح وترويج الهلع لفتح المجال للمضاربين والمسعرين والمتلاعبين بالسوق سواء كانت محلية غذاية ودوائية أو نفطية عالمية ،كل ذلك أجل الركوب على موجة كورونا وإفقار من يمكن إفقاره كقيمة مضافة إلى التعاسة التي تعاني منها كثير من الشعوب المحتقرة والمحتكرة بامتياز؟.

ناسين ،وهذا بالنسبة للمتدينين والمسلمين خاصة، أن موضوع الوباء أو كما كان يسمى بالطاعون هو من حيث الاعتقاد بلاء من الله تعالى ،كان بسبب بشري وجرثومي أم بأمر غيبي لا يعلم طبيعته ،إذ الكل بمشيئته سبحانه وتعالى وأن الأمور تسير بتدبيره وحكمته ،فإن شاء رفعه وإن شاء تركه يحصد ما قدر حصده.كما أن المصاب والميت بسببه ،بعد اعتماد التدابير الصحية اللازمة والوقائية كما ينصح به الأطباء والمختصون، قد يعتبر شهيدا عند الله تعالى فيما تذكر بعض الأحاديث النبوية بهذا الصدد حسب قوة ثبوتها وضعفها.يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه:”إن هذا الوباء رجز أهلك الله به الأمم قبلكم وقد بقي منه في الأرض شيء يجيء أحيانا ويذهب أحيانا”و”الطاعون شهادة لكل مسلم”،”ما من عبد يكون في بلد الطاعون فيمكث فيها لا يخرج صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب له إلا كان له مثل أجر شهيد“.

وكتدبير وقائي شامل يقول :”إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه“.(نقلا عن كتاب كشف الغمة عن جميع الأمة للشعراني).

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول لما خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام وكان بها وباء تلقاه أبو عبيدة وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام فقال عمر ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم فاستشارهم فقال بعضهم ارجع ولا تقدم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهلكوا،وقال بعضهم أقدم يا أمير المؤمنين وتوكل على الله .قال ابن عباس :فهوى عمر ما قال البعض الأولون ونادى في الناس :ارجعوا قافلين قبل المدينة .فقال له رجل:أتفر يا أمير المؤمنين ؟قال:نعم ! أفر من قدر الله إلى قدر الله تعالى“.

لكن بلاغ الدولة المغربية بهذا الصدد خصوصا ،تحت القيادة الحكيمة للملك محمد السادس، قد كان بلسما شافيا وتنويرا للشعب المغربي الأصيل حتى لا ينزلق في هذا الهلع الاستهلاكي والاحتكاري الذي لا يليق بعقيدته وتاريخه وتضامنه في السراء والضراء مهما كانت الظروف،وهو نموذج ينبغي أن يحتذى به في العالم الإسلامي وسائر البلدان .والله من وراء القصد وهو خير حفظا.

 

 

 

 

 


شاهد أيضا